تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وكذلك قال:

نهاية إقدام العقول عقال

وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا

وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وللغزالي موقف يشبه هذا الموقف في قيمة علم الكلام، نعرض له فيما بعد.

| هوامش

الفصل الثاني

| الماتريدية

هناك فرع من فروع أهل السنة يوازي فرع الأشعري، وهو فرع الماتريدية، وتنسب الماتريدية إلى أبي منصور الماتريدي، وهو كذلك أعجمي من سمرقند. ولئن كان الأشعري شافعيا، فقد كان الماتريدي حنفيا، ولذلك ربما كانت الخلافات القليلة بين الأشعري والماتريدي ترجع إلى خلافات بين الشافعي، وأبي حنيفة في أصولهما؛ ولذلك كان أكثر أتباع الماتريدية حنفية ، وأتباع الأشعري شافعية، وقد كان أبو منصور الماتريدي معاصرا للأشعري، هذا في سمرقند، وذاك في البصرة، وكان عصرهما مليئا بالحركات الدينية، فكان فيه مثلا الحركات الصوفية، ورجال التصوف الكبار أمثال أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة 261ه، والجنيد، والحلاج، كما نشطت فيه حركات التشيع، وكانت حركة الاعتزال في آخر أيامها، وكان لكل مذهب علماء يؤيدونه، ويأخذون بناصره، ظهر الأشعري في البصرة، ومات نحو سنة 330ه، وظهر الماتريدي في سمرقند، ومات سنة 332ه، ولا نعلم الكثير من حياة الماتريدي، وإن كنا نعلم الكثير عن مذهبه.

لقد اتفق الماتريدي والأشعري على كثير من المسائل الأساسية التي يمكن استنتاجها مما لخصناه من عقيدة الغزالي، وقد ألفت كتب كثيرة، وملخصات بعضها يشرح مذهب الماتريدي، كالعقائد النسفية لنجم الدين النسفي، وبعضها يشرح عقيدة الأشعري كالسنوسية والجوهرة، وقد ألفت كتب في حصر المسائل التي اختلف فيها الماتريدي والأشعري، ربما أوصلها بعضهم إلى أربعين مسألة.

والناظر إليها يرى أنها ليست بذات خطر كبير، مثل: هل البقاء هو الوجود أو غيره؟ ومثل: هل الوجود زائد عن الذات أم عينها؟ وكاختلافهم في تفسير صفة القدرة، والإرادة، والكلام، وفي تفسير لزوم الحكمة في أفعاله تعالى، وهل العفو عن الكافر يجوز، وهل الإيمان بالله واجب بالعقل أم لا، وما حقيقة الإيمان، وهل الإيمان يزيد وينقص، وهل الإيمان والإسلام واحد أم لا؟ وهل السعادة والشقاوة تتبدلان على الإنسان أم لا؟ إلى آخر هذه المسائل التي لا تعد من الأركان، ونسوق أمثلة على جدالهم في هذا: فمثلا: اختلفوا في معنى القضاء والقدر، فقال الماتريدية: إن القدر هو تحديد الله أزلا كل شيء بحده الذي سيوجد به من نفع، وما يحيط به من زمان ومكان، والقضاء الفعل عند التنفيذ. وقال الأشاعرة: إن القضاء إرادة الله الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها المخصوصة، احتج الماتريدية بقوله تعالى:

وخلق كل شيء فقدره تقديرا (الفرقان: 2)، أي قدر كل شيء تقديرا يوافق الحكمة فخلقه، وفي الحديث: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض.» أي عين وقدر مقاديرهم قبل خلقهم، ثم يخلق كل شيء، ويوجده في الوقت الذي قدر أن يخلقه فيه، وهذا هو القدر.

واحتج الأشاعرة بما روي في الصحيح من أن رجلين من مزينة قالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم، وقضي فيهم من قدر سبق، أم فيما يستقبلون؟ فقال: «لا، بل شيء قضي عليهم ... إلخ.»

وأرى أن الخلاف بينهم يشبه أن يكون لفظيا ...

ومثل آخر اختلافهم في الإيمان، يقول الماتريدية إنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولا لوجب عليهم بعقولهم معرفته تعالى، ومعرفة وحدانيته، واتصافه بما يليق، وكونه محدثا للعالم، كما روي ذلك عن أبي حنيفة، وذهب مشايخ الأشاعرة إلى أنه لا يجب إيمان، ولا يحرم كفر قبل البعث، احتج الماتريدية بقوله تعالى:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٦٥