تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما أبو حامد الغزالي فقد كان أعجميا من طوس، جيد الأسلوب، متدفق التعبير، وإن كان يلحن أحيانا، ولد بطوس سنة 450ه من أبوين فقيرين، وتكفل به وبالقليل من مال أبيه رجل صوفي أوصى إليه به أبوه، فعلمه شيئا من التصوف، فلما فرغ ماله التحق طالبا ليصيب شيئا من الرزق الذي كان يصرف للطلبة، وتعلم الفقه حتى كان أفقه أقرانه، وإمام أهل زمانه، وكان تلميذا لإمام الحرمين يأخذ عنه قواعد العقائد، ولازمه مدة طويلة، فلما مات إمام الحرمين خرج الغزالي قاصدا نظام الملك الوزير السلجوقي، وكان له مجلس يحضره العلماء يتناظرون فيه، فظهر عليهم، وولاه نظام الملك التدريس في مدرسته ببغداد، فذهب إليها سنة 474ه واشتهر اسمه، وعظم جاهه، ثم كان يعتريه الشك هذه المدة فيما يعمله، ثم زهد في منصبه وجاهه، وحج سنة 488ه، ورجع من الحج إلى دمشق، واعتكف بمنارة الجامع نحو عشر سنين يفكر ويقرأ ويكتب، وأخيرا زهد في العلوم وتصوف.

على كل حال، كانت له نواحي ثقافات عديدة واسعة، تثقف في الفقه وأصول الفقه، وألف فيهما، وتثقف بالفلسفة، وقرأ كثيرا من كتب ابن سينا، ورسائل إخوان الصفاء، ثم قرأ التعاليم الباطنية، ورد عليها، وبكل ذلك تأثرت نفسه، فلما أخرج كتاب «الإحياء» ظهرت فيه نزعات الفقه والتصوف والفلسفة مجتمعة ، ممزوجة مزجا غريبا.

والذي يهمنا أنه كان شافعيا أشعريا، وقد وسع مذهب الأشعري، وزاد فيه من ناحيتين: من ناحية موضوعاته، ومن ناحية معالجته للبراهين معالجة فلسفية على نمط جدل المنطق اليوناني؛ فصبغ العقيدة الأشعرية بصبغتين: صبغة فلسفية، وصبغة صوفية، وكان له أثر كبير في المسلمين حتى ليذهب بعض المستشرقين إلى أن الإسلام كما يتصوره كثير من الناس هو الإسلام بالصبغة الغزالية، وقد كتب على منهج الأشعرية كتبا ورسائل في العقيدة التي يجب أن يعتنقها أهل السنة منها رسالة صغيرة تحوي أهم العقائد سماها «عقيدة أهل السنة»،

3

و«الرسالة القديمة»، نقتطف منها بعض المقتطفات:

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، وهو في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، منفرد لا ند له، واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له ... ليس بجسم مصور، ولا بجوهر محدود مقدر، لا يماثل الأجسام لا في التقدير، ولا في قبول الأجسام، ليس بجوهر، ولا تحله الجواهر، ولا بعرض، ولا تحله الأعراض ... لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون، ولا السموات، وإنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المحاسة والاستقرار ... وهو فوق العرش والسماء، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، كما تزيده بعدا عن الأرض والثرى ... قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ... وأنه لا يحل في شيء، وأنه لا يحل فيه شيء - تعالى عن أن يحويه مكان -كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان ... وهو تعالى حي قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت ... وهو المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ... وهو عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء، وهو تعالى مريد للكائنات؛ مدبر للحادثات، فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، إلا بقضائه وقدره وحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته ناظر، ولا فلتة خاطر، ولو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة، أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وإرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ... وهو - سبحانه وتعالى - لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعل، وإنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته لا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصور الظلم من الله، فإنه لا يصادف لغيره مالكا، حتى يكون تصرفه فيه ظلما ... وهو متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان، والنعمة والامتنان؛ إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا، ولم يكن منه قبيحا ولا ظلما، وهو يثيب عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له؛ إذ لا يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٦٣