تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال، يميل الأشعرية إلى التوسط بين الجبر والاختيار، وأن الله يوجد القدرة والإرادة في العبد، وقدرة العبد وإرادته لهما مدخل في فعله، فجميع المخلوقات من فعل الله، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، وكون العبد يتوسط هو موضوع المسئولية والمؤاخذة.

كما خالف الأشعرية في هذا الباب المعتزلة في أن الله تعالى يريد الكائنات كلها من خير وشر وإيمان وكفر، وقد دخلوا مع المعتزلة في نقاش طويل خصوصا في مسألة الكفر من الكافر. قالت المعتزلة: إن الله لا يريد كفر الكافر ، وإلا لما أمره به، ولو كان الكفر مرادا لوجب الرضا به، والله لا يرضى لعباده الكفر. وأجابت الأشعرية بأن الأمر ينفك عن الإرادة، كالأمر الذي يصدره من يريد اختبار المأمور، والطاعة موافقة الأمر، وهو غير الإرادة، والرضا إذا نسب إلى الله تعالى فمعناه الثواب، أو ترك الاعتراض عليه، إلخ ...

وربما كان من أهم مسائل الخلاف بين المعتزلة والأشعرية اختلاف تصورهما لعدل الله، فالمعتزلة يقولون: إن الله كتب على نفسه العدل، فلا بد أن يعمل العمل لحكمة، ولا بد أن يسير العمل لغاية، ولا بد أن يكون عادلا مع المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، فلا بد أن يكون العبد حرا في العمل يعمل إذا شاء، ويترك إذا شاء، ولا بد أن يثيب الله المطيع، ويعاقب العاصي.

أما الأشعرية فعمادهم أن الله لا يسأل عما يفعل، وإطاعة المطيع تفضل، وعقاب العاصي مقدر، وليس الله ملزما في عمله بغاية، ... إلخ.

وربما كانت نقطة الخطأ عند المعتزلة ومن تابعهم، تصورهم عدل الله كما يتصورون عدل الحاكم من البشر كخليفة أو سلطان، فطبقوا عدل هؤلاء على عدل الله تعالى، وفاتهم أن العدل تختلف معانيه، حتى باختلاف الناس أنفسهم؛ فالعدل في نظر الإنسان الراقي غير العدل في نظر الرجل البدائي، وقد كان أرسطو يرى الرق عدلا، ونحن اليوم نراه ظلما صارخا، فما بالنا نحاول أن ندرك عدل الله وعقولنا لا تستطيع؟ إن نظرنا للعدل يتصل ببيئتنا، والعدل عند النظر إلى البيئة غير العدل عند النظر إلى الدنيا كلها، والله تعالى يحكم العالم كله، وهو في عدله ينظر إلى العالم كله، وليست الأرض وسكانها إلا هنة من هنات العالم؛ فنحن بالنسبة إلى الله ننظر كما تنظر النملة في محيطها الصغير، فكيف نحكم على عدل الله، ونحن لا ندرك شؤون هذا الكون ومخلوقاته، فضلا عن أننا لا ندرك منه عدل الله وسائر صفاته، فالغلطة هنا كالغلطة هناك التي شرحناها عند الكلام على صفات الله. (2-3) الوعد والوعيد

ومن أصول المعتزلة قولهم بالوعد والوعيد، فمن مات كافرا أو مصرا على كبيرة من الكبائر، فهو مخلد في النار أبدا، ومن مات مؤمنا دخل الجنة أبدا، فخالف في ذلك الأشعري وأصحابه فلم يخلدوا في النار إلا الكفار، والله قادر على أن يغفر لمن يشاء، وتبع ذلك قول الأشعري بالشفاعة، وأساس فكرتهم أن الله مالك لخلقه، يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا، ولو أدخلهم النار لم يكن جورا ولا ظلما؛ إذ الظلم أو الجور هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف، أو وضع الشيء في غير موضعه، وهو المالك المطلق، فلا يتصور منه ظلم، ولا ينسب إليه جور.

قال إمام الحرمين في كتاب «الإرشاد»: «إذا ثبت جواز الغفران، وقد شهدت له شواهد من الكتاب والسنة، فيترتب على ذلك تشفيع الشفعاء، وحط أوزار المجرمين بشفاعتهم.

فمذهب أهل الحق أن الشفاعة حق، وقد أنكرها منكرو الغفران، ومن جوز الصفح والعفو بدءا من الله تعالى، فلا يمنع الشفاعة ...»

ويذهب الأشعري في كتابه «اللمع» في تفسير الوعد والوعيد مذهبا آخر، ويفسر قوله تعالى:

وإن الفجار لفي جحيم (الانفطار: 14)، وغير ذلك من الآيات، بأن الكلام قد يقع على الكل كما يقع على البعض، واللغة تجيز ذلك، كما يقول القائل: جاءني جيراني، وإن لم يأت جميعهم. (2-4) رؤية الله في الآخرة

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٦١