الرحمن على العرش استوى (طه: 5)، وفي الحديث عن الله تعالى:
خلقت بيدي (ص: 75)، ونحو ذلك، فنؤمن بها ولا نؤولها، ونكل أمرها إلى الله، أما الغلو، وأما التأويل فلسنا مكلفين بهما. وقال مالك بن أنس عند سؤاله عن
الرحمن على العرش استوى (طه: 5): الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل ذلك ما قال أحمد بن حنبل، وسفيان الثوري. (2-2) العدل
ثم قول المعتزلة بالعدل، أي عدل الله تعالى، وقد عدوا هذا جزءا مهما من أصول المعتزلة؛ حتى كانوا يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد ... وقد وضعوا لهذه الفكرة نظاما شاملا، فأولا: قالوا: بأن في الأشياء حسنا وقبحا ذاتيين يستطيع العقل معرفتهما، وهو مسئول عن ذلك قبل الرسالة وبعد الرسالة، ففي العدل والصدق والشجاعة أوصاف ذاتية يمكن العقل معرفتها. وثانيا إن الله خلق العالم وهو يسيره إلى غاية؛ لأن أعمال الحكماء يقصد منها غايته، والله أحكم الحكماء.
وثالثا: متى كان الله عدلا، وهو يحاسب الناس على أعمالهم ويجازيهم، فلا بد أن يكون الإنسان حر التصرف في أن يكون مسئولا عن عمله؛ فأعمال العباد مخلوقة لهم، وفي قدرة العباد أن يفعلوها وأن يتركوها من غير دخل لإرادة الله، ولولا ذلك ما كان التكليف، إذ لو لم يكن قادرا على الفعل وعدمه، ما صح أن يقال له افعل ولا تفعل، ولا مدح بفعل ولا ذم بترك، ولا كان للأنبياء معنى، وهي مسألة شائكة حيرت أهل الأديان من يهود ونصارى ومسلمين، كما حيرت الفلاسفة من قبل.
ولما جاء الإسلام رأينا أن هذه المسائل تثار ثم تخمد، ولا يتوسع فيها؛ فيروى أن عمرو بن العاص، وهو في أول الإسلام قال مرة أمام أبي موسي الأشعري: «أين أجد أحدا أحاكم إليه ربي؟» فقال له أبو موسى: «أنا ذلك المتحاكم إليه.» قال عمرو: «أو يقدر علي شيئا ثم يعذبني عليه؟ قال أبو موسى: نعم ... قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك.»
وجاء المعتزلة ووسعوا هذا البحث وفلسفوه، واتخذوا جانب الإرادة، ورأوا أن آيات القرآن بعضها يؤيدهم، وبعضها ضدهم، فساروا في آيات التأييد على وجوهها، وأولو الآيات التي هي ضدهم. فلما جاء دور أبي الحسن الأشعري طلع برأي جديد فقال: إن الله هو خالق أفعال العباد، وهو مريد كل ما يصدر منهم من خير أو شر، فعلمه تعالى وإرادته وقدرته متعلقة بجميع أفعال العباد، ولو قلتم: إن ذلك - إذا كان - تكليف بما لا يطاق، إذ لا يقدر العبد أن يخرج عما أريد منه، قال الأشعرية: أن لا مانع من تكليف ما لا يطاق ... وإذا كان العبد يحس بقدرته، فقدرته لا تأثير لها في خلق الأحداث، ولكن الله تعالى أجرى سنته أن يخلق الشيء عند القدرة الحادثة من العبد، فإذا أراد العبد شيئا، وعزم عليه، وتجرد له خلقه الله، غير أن للعبد شيئا يسمى «كسبا»، وقد فسروا هذا الكسب بأنه: «الاقتران العادي بين قدرة العبد والفعل»، فالله يخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته، لا بقدرة العبد وإرادته، وهذا الاقتران هو الكسب ... وبعبارة أوضح: أن الكسب هو الشعور بالاختيار، ولذلك كانت مسألة الكسب من أهم المسائل عند الأشعرية، وعليها يقع العقاب أو الثواب، وقد ناقشه في ذلك ابن حزم فقال: خبرنا عن هذا الكسب، هل هو مخلوق للعبد أو هو مخلوق لله؟ فإن كان مخلوقا للعبد فقد أثبت للعبد خلقا، وهو ما تنكره، وإن كان لله لم تفعل شيئا. وهو كلام صحيح، ولذلك أكثر الأشعرية في هذا الكسب من غير أن يصلوا إلى نتيجة واضحة، وجاء بعد الأشعري من عرض لهذا الأمر بتفسير آخر فقال: إن نفي القدرة عن العبد شيء يأباه العقل، فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة على أنه محدث للعمل، وخالق له. والإنسان كما يحس من نفسه القدرة يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال، فالفعل يستند وجوده إلى قدرة العبد، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر، وإذا احتاج الأمر استند هذا السبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب وهو الله، وفي رأيي أن هذا رجوع إلى قول المعتزلة بالتواء.