ويقول النظام مثلا: إن صفات الله إنما هي صفات سلبية، لا تقتضي للذات شيئا زائدا عليها، فإذا قلت: إنه عالم أثبت لله علما هو ذاته، ونفيت عن ذاته الجهل، ودللت على أن هناك معلومات منكشفة لذاته، وإذا قلت قادر أثبت لله قدرة هي ذاته، ونفيت عن ذاته العجز، ودللت على أن هناك مقدورا له وهكذا. وقال بعض المعتزلة: إن هذه صفات الغرض منها إفادة الناس معانيها، فإذا قلنا عالم، فالغرض منه إفادة الناس علما بأنه لا يجهل، وكذلك بقية الصفات.
فلما جاء الأشعري كان من أهم ما خالف فيه المعتزلة قوله بإثبات هذه الصفات لله؛ فإثبات العلم والقدرة والإرادة له تدل على وجود هذه الصفات متميزة؛ لأنه لا معنى لكلمة عالم إلا أنه ذو علم، ولا لقادر إلا أنه ذو قدرة، والدليل على ذلك أننا إذا قلنا: إنه عالم قادر، فإما أن يكون المفهومان من الصفتين واحدا أو مغايرا، فإن كانا شيئا واحدا وجب أن يعلم بقادريته، ويقدر بعالميته، وليس الأمر كذلك؛ فوجب أن يكون هناك صفة علم وقدرة مختلفين.
وقال أيضا: إن إسناد العلم والقدرة إليه تعالى، إما أن يرجع إلى اللفظ المجرد، وإما إلى تغير الصفات، والرجوع إلى اللفظ المجرد باطل، لأن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين، أعني أنه يقضي باختلاف مفهوم قادر عن مفهوم عالم، فتعين أن تكون هناك صفتان قائمتان بنفسيهما غير ذاته؛ فألجأه ذلك إلى أن يقول: «إن الله تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وهذا الصفات أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، لا هي هو ولا هي غيره.» قال: «وعلمه يتعلق بجميع المعلومات، وقدرته تتعلق بجميع المقدورات، وإرادته تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص.»
ومن هنا نشأ الخلاف في مسألة خلق القرآن، فالأشعري يقول: إن الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي، والمعتزلة لما لم يقولوا بصفة زائدة على الذات قالوا: ليس هناك كلام إلا هذه الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة وهي مخلوقة.
والناظر إلى هذا الخلاف يرى أن كلا من المعتزلة والأشعرية جاوزوا حدهم، ودخلوا في سفسطات لا طائل تحتها، وليس العقل البشري بمستطيع شيئا من ذلك. إننا لا نستطيع أن نقول بالنسبة لأنفسنا: إن كنا علمنا غير ذاتنا، وقدرتنا غير ذاتنا، أو هي هي ، فكيف نستطيع أن نقول ذلك في الله، إن عقولنا ضعيفة لا تصلح إلا لخدمتنا في الوصول إلى أغراضنا في الحياة الواقعية، ومحاولة الوقوف على هذه الموضوعات ليست في متناول العقل البشري؛ إن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك حقيقة أي شيء إدراكا تاما، وكل ما يستطيع أن يدركه هو بعض صفاته.
إننا لا نستطيع أن ندرك «ماذا»، ولكن قد نستطيع بعد الجهد أن ندرك «كيف»، فلا نستطيع أن ندرك كنه الكهرباء ما هي، ولا الجاذبية، ولا المغناطيسية، ولا كنه الضوء ولا الحرارة، ولا كنه أي شيء من هذا القبيل، وكل الذي نستطيعه أن ندرك كيف نستخدم الكهرباء، والمغناطيسية، والجاذبية، فكيف يشرئب المتكلمون إلى البحث في أن صفات الله هي عين ذاته، أو غير ذاته، ثم يصلون فيها إلى قرار؟ هذا فوق عقل البشر، وفوق قدرتهم، ولعل الباحث في هذا شأنه شأن من يبحث عن نجم دقيق في السماء، ثم يعثر في حجر أمامه، بل ذلك أدق.
إذن فالكلام في هذا الموضوع سواء من المعتزلة أو الأشعرية أو الشيعة سفسطة لا توصل إلى نتيجة، وأقوال بهلوانية ليس لها إلا أشكال لفظية منطقية، ولا حقيقة وراءها. وما كان أغناهم كلهم عن ذلك، ولو فعلوا لوفروا زمانهم ومجهودهم، ولكنها شراهة العقل. وكان المتقدمون من الصحابة والتابعين أصح نظرا، وأصدق تصرفا، إذ امتنعوا أن يدخلوا هذا الباب الذي لا يوصل، وقالوا: إن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، ورأينا أن الله يقول: