ومن الفتاوى فتوى القشيري يقول فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن الأشعري كان إماما من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبة مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة، ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة، والخارجين عن الملة سيفا مسلولا، ومن طعن فيه، أو قدح، أو لعنه، أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة»، بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة، كتبه عبد الكريم ابن هواز القشيري، ووقع على هذا الكتاب أيضا تحته الخبازي، وكتب الجويني وغيرهما.
1
وكتب عبد الجبار الإسفراييني مثل هذا بالفارسية كتابا هذا تفسيره: «إن أبا الحسن الأشعري كان إماما، ولما أنزل الله - عز وجل - قوله:
يحبهم ويحبونه (المائدة: 54) أشار المصطفى إلى أبي موسى الأشعري».
2
ومن هذا القبيل أيضا ما حصل من التآليف في ذلك العصر وبعده، فقد ألفت الرسائل في الطعن في أبي الحسن الأشعري، كما ألفت الكتب والرسائل في الدفاع عنه، فمن ألف في الدفاع عنه ابن عساكر الإمام الكبير، فقد ألف كتابا سماه «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأمام أبي الحسن الأشعري»، وكل هذا يدل على حركة واسعة النطاق كانت بين خصوم أبي الحسن الأشعري ومؤيديه.
وكما قلنا من قبل: إن أبا الحسن الأشعري قد رزق أتباعا كثيرين من العلماء الأقوياء من شافعية، ومالكية، وحنفية، وحنبلية. فمن الآخذين عنه: أبو إسحاق الإسفراييني، والشيخ أبو بكر القفال، والحافظ الجرجاني، والشيخ أبو محمد الطبري العراقي، وأكثرهم جالسه، وأخذ عنه شفاها، ثم جاءت بعد هؤلاء طبقة ثانية من الصعلوكي والداراني، وأبو بكر الباقلاني، وأبو بكر بن فورك.
ومن الطبقة الثالثة: أبو الحسن السكري، وأبو منصور النيسابوري، وأبو منصور البغدادي، والحافظ الهروي، وغيرهم ... ومن الرابعة: الخطيب البغدادي، وأبو القاسم القشيري، وإمام الحرمين. ومن الخامسة: الغزالي، وفخر الإسلام الشاشي، وأبو نصر القشيري، وابن عساكر، والسمعاني، وأبو طاهر السلفي. ومن السادسة: فخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي، وعز الدين بن عبد السلام ، وابن الحاجب المالكي، إلى كثير غيرهم ... وكل هؤلاء تبايعوا على نصرة مذهبه، مع علو مكانتهم، وسعة نفوذهم، مما آل أخيرا إلى انتشار المذهب، وخفوت خصومه. (2) المسائل الأساسية في مذهبه، والتي خالف فيها المعتزلة (2-1) الخلاف على الصفات
كل المسلمين يقولون بالتوحيد، بل إن عنوان دين الإسلام هو «لا إله إلا الله»، ولكن المعتزلة فلسفوا هذا التوحيد، وبحثوه بحثا كلاميا، وعمقوه تعميقا جدليا، فمثلا قالوا: إن كثيرا من الآيات والأحاديث تنسب إلى الله القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والكلام، فهل هذه الصفات عين ذاته، أو غير ذاته، أو لا عين ولا غير؟ وهي مسألة تحرج العلماء قبلهم عن الخوض فيها. فلما قالوا: هم بالتوحيد من جميع جهاته، فإن حقيقته تعالى أحدية من كل وجه، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه؛ إذ لو كانت هذه الصفات غير ذاته، لكانت مركبة، ولو كانت مركبة لاحتاج كل جزء إلى الأجزاء الأخرى. وأيضا لو كان هناك صفات غير الذات لكانت قديمة قدم الذات، ولتعددت القدماء، وليس قديما إلا أن يكون إلها، فلو كان هناك صفات قديمة لتعددت الآلهة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فقالوا: إنه تعالى حي عالم قدير، مريد بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة زائدة على ذلك، إذ لو كان عالما بعلم زائد، ومتصفا بهذه الصفات كلها؛ لأنها زائدة على ذاته - كما هو الحال في الإنسان - لكان هناك صفة وموصوف، وحامل ومحمول، وهذه صفة الجسمية، والله تعالى منزه عن الجسمية، فكان زعيمهم أبو الهذيل العلاف يقول: «إنه عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو، وإنما اختلف التعبير لغرض، فإذا قلت عالم، أثبت لله علما هو ذاته، ونفيت عن ذاته الجهل إلخ.»