تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورووا مناظرة أخرى له، خلاصتها: أن رجلا سأل الجبائي: هل يجوز أن يسمى الله عاقلا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من العقال، والعقال بمعنى المانع، والمنع في حق الله محال. فقال الأشعري للجبائي: فعلى قياسك لا يسمى الله تعالى حكيما؛ لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان:

فنحكم بالقوافي من هجانا

ونضرب حين تختلط الدماء

بمعنى نمنع بالقوافي من هجانا.

وقال آخر:

أبني حنيفة حكموا سفهاءكم

إني أخاف عليكم أن أغضبا

أي امنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق «حكيما» عليه تعالى، فلم يجد الجبائي جوابا، وسأل الأشعري: ما تقول أنت؟ قال: أجيز حكيما، ولا أجيز عاقلا ... لأن طريقي في مأخذ أسماء الله السماع الشرعي، لا القياس اللغوي، فأطلقت حكيما، لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا، لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته، وهكذا سار الجدل بينهما حتى انفصل عنه الأشعري، وعن الاعتزال. (1) انتصار الأشاعرة

لم تسر الأمور بعد ذلك سيرا هادئا بسبب ما تمكن في الناس من الاعتزال، فكنا نرى مناظرات بين العلماء، وحيرة واضطرابا بين الناس، فمثلا: يروون أنه «اجتمع أبو إسحاق الإسفراييني الأشعري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، فقال عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الإسفراييني: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: فيشاء ربنا أن يعصى؟ فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا قهرا؟ فقال عبد الجبار: أفرأيت أن منعني الهدى، وقضى علي بالردى، أحسن إلي أم أساء؟ فقال الإسفراييني: إن كان منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له، فيختص برحمته من يشاء. فانقطع عبد الجبار ... وهذه المناظرة مبنية على أن المعتزلة تقول: إن الله لم يرد الكفر من الكافر، بل تركه يفعل ما يشاء باختياره. والأشعري ومن تبعه يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.

وأحيانا تشتد الخصومة، كالذي روى أن السلطان السلجوقي طغرل بك كان له وزير اسمه الكندري، وكان شيعيا معتزليا متعصبا للتشيع، وكان يعقد في داره مجالس للمناظرة، كما كانت دور غيره أيضا مكانا للمناظرة، فأوعز للسلطان طغرل بك بلعن المبتدعة على المنابر، ودس عنده أن الأشعرية من ضمن المبتدعة، واتخذ ذلك ذريعة إلى إهانة أتباع أبي الحسن، ومنعهم من الوعظ والتدريس، وعزلهم من خطبة الجامع، واستعان بالحنفية على الشافعية، وأكثر الشافعية أشعرية، حتى حكى بعضهم أن اضطهاد الأشاعرة في هذه الحادثة يشبه اضطهاد الأمويين للعلويين. وفي هذه الفتنة أمر طغرل بك بسبب هذه الدسائس أن يقبض على كثير من كبراء الأشعرية كإمام الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وأبي سهل بن الموفق. ولما قرئ الكاتب بنفيهم تحرشت بهم العامة والأوباش، وقد حبس بعضهم، وهرب بعضهم. وكان ممن هرب إمام الحرمين، فقد هرب إلى الحجاز، ولم تخمد هذه الفتنة إلا بتغير الأحوال؛ فقد قتل الكندري وخلف ألب أرسلان طغرل بك.

ومما يدل على هلع الناس وفزعهم ما نرى في هذا العصر من استفتاءات من الناس للعلماء الذين يثقون بهم، وعقد المجامع لإصدار الفتاوى، مثل الفتوى التي صدرت من القشيري يشكو مما أصاب أهل السنة، ويحكي ما نالهم من المحنة. والفتوى التي صدرت من الحافظ البيهقي ... ونحن نسوق مثلا نص سؤال للعلماء، وجواب عليه مما يدل على الحيرة.. فمثلا: استفتى بعض أهل بغداد بعض العلماء فقالوا: ما قول السادة الأئمة الأجلة في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعري وتكفيرهم، ما الذي يجب عليهم؟ فأجاب قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني الحنفي بقوله: «إنه قد ابتدع وارتكب ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأمور - أعز الله أنصاره - الإكثار عليه، وتأديبه بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله.» ووقع على الكتاب الدامغاني هذا. وبعد ذلك كتب أبو إسحاق الشيرازي فتوى أخرى يقول فيها: الأشعرية أعيان أهل السنة، ونصار الشيعة انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد، ومثل هذا كان كثيرا.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٥٧