علمنا أنه نشأ معتزليا، ولكنه تحول. قال بعضهم: إنه رأى رؤيا جعلته يعدل عن الاعتزال، وهذا لا يقنع. وقالوا: إنه اعتكف في بيته طويلا، ثم أعلن عدوله عن الاعتزال. وإن صح ذلك فمعناه: أنه ظل يفكر طويلا في أصول الاعتزال ، فلما لم يرضه بعضها عدل عن الاعتزال، يضاف إلى ذلك أنه ناظر أستاذه أبا علي الجبائي في بعض المسائل، وقالوا: إنه انتصر عليه - كما سنذكر - فكان ذلك من الأسباب التي دعته إلى ترك الاعتزال. وفي نظري أنه انتصر على المعتزلة لأسباب: (1)
أن الناس كانوا قد ملوا كثرة المناظرات، والمماحكات، والمحن التي شهدوها، أو سمعوا بها في محنة خلق القرآن، فكرهوا هذه الطائفة التي سببت لهم كل هذه المشاكل، وأخذ كثير منهم بأزر من يجابههم. (2)
أن أبا الحسن - على ما يظهر من ترجمته - كان جدلا قوي الحجة، فلفت الأنظار إليه، وكان أيضا معروفا بالصلاح والتقوى، وحسن المظهر، مما جذب نفوس الناس إليه، ووجدوا فيه الشخص الذي يلقون حملهم عليه إذا عدلوا عن الاعتزال. (3)
أن السلطات الحكومية من عهد المتوكل قد تخلت عن نصرة المعتزلة، وأغلب الناس يمالئون الحكومة أينما كانت، ويخافون أن يعتنقوا مذهبا لا ترضاه، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال. (4)
رزق أبو الحسن الأشعري بأتباع أقوياء، أخذوا مذهبه، ودعوا إليه، ودعموه بالأدلة والبراهين، أمثال: إمام الحرمين، والإسفراييني، والباقلاني؛ فكان كل عالم من هؤلاء العلماء لمنزلته العظيمة يرغب الناس في الدخول في مذهب الأشعري، ويبعدهم عن الاعتزال. (5)
سقطت الدولة البويهية الشيعية، وجاء عقبها الدولة السلجوقية التركية السنية، وكانت دولة قوية تنصر السنية بالعقلية التركية، ورزق ملكها ألب أرسلان بالوزير العظيم «نظام الملك»، وكان في الدولة السلجوقية يشبه ابن العميد، وابن عباد في الدولة البويهية، هذان ينصران التشيع والاعتزال، وهذا ينصر السنية، وقد كان نظام الملك هذا مثقفا ثقافة واسعة، عالما، سياسيا، حكيما، حتى إنه طلب إلى رجال عصره أن يؤلف كل منهم كتابا يشرح فيه كيف يتصور أن تكون الحكومة العادلة؛ فألف هو كتاب «سياسة نامة»، وألف في هذا الموضوع الرحالة المشهور «ناصر خسرو»، كما ألف في ذلك «عمر الخيام».
ومن جليل أعماله أنه أنشأ مدارس كثيرة من أشهرها المدرسة النظامية، ومدرسة في نيسابور، ومدرسة في هراة، إلى مدارس أخرى، وحشر في هذه المدارس العلماء العظام أمثال أبي حامد الغزالي يدرسون على مذهب أهل السنة؛ فانتشر مذهبهم في كل الأنحاء، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا أن يخمد التشيع والاعتزال.
ومع هذا فلم يخل الأشعري في أول أمره من ساخطين عليه، مهاجمين له حتى لم يتورع بعضهم من أن يسلقه بألسنة حداد، وقد تجمع ضده المعتزلة لما خرج عليهم، فألفوا الكتب ضده، وفندوا مذهبه، كذلك فعل الذين خالفوه في بعض آرائه، مثل ابن حزم الأندلسي، فلم يتورع أن يقول فيه أقذع الأقوال، وممن لم يكن يؤمن به - على ما يظهر - الإمام المذهبي.
اعتكف الأشعري في بيته 15 يوما يفكر في كل ما تعلم عن المعتزلة. قالوا: «ثم خرج إلى الجامع، وصعد المنبر، وقال: معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت، فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به.»
وأول ما بلغنا من شكه وخروجه أنه ناظر أستاذه الجبائي، فقال الأشعري له: ما قولك في ثلاثة: مؤمن، وكافر، وصبي؟ فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات والصبي من أهل النجاة. فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائي: لا، يقال له: إنما المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك، وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف ... قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجبائي.» وهذه المناظرة مبنية على قول المعتزلة: إن الله تعالى يجب عليه مراعاة الأصلح للعبد، فناقشه الأشعري في هذا المبدأ.