والذي يظهر أن بديع الزمان حكى لنا صورة من أقوال الناس في عصره ضد المعتزلة لما زالت دولتهم؛ فكان خصومهم يقولون عليهم مثل ما حكى بديع الزمان، وأن بديع الزمان أديب فقط، لا هو فيلسوف، ولا متكلم، وذلك شأن بعض أدبائنا اليوم كحافظ، وشوقي، يتلقفون الآراء من العلماء الدارسين، ويصرفونها في شكل شعري جميل، وربما كان بديع الزمان ماكرا مخادعا؛ إذ سمى المقامة مارستانية، وجعل سبهم على لسان مجنون، كأن المعتزلة لا يسبهم إلا مجنون.
وكان من ضمن أدباء المعتزلة قوم من أحرار النحويين دعوا إلى القياس في اللغة، ومن أعلامهم أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، وكلاهما معتزلي؛ فكان يقول أبو علي: «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عربت العرب لفظة أعجمية أجريت عليها أحكام الإعراب، وعددتها من كلام العرب، وأجزت الاشتقاق منها، كما عرب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منه درهمت الخبازي صار وزنها كالدراهم، وقالوا: رجل مدرهم، أي كثرت دراهمه.»
وكان يقول: «لو شاء شاعر أو ساجع أن يبني بإلحاق لام الكلمة اسما أو فعلا لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خرجج أكرم من ذخلل، وضربب زيد عمرا، ومررت برجل ضربب، ونحو ذلك. فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ليس بارتجال، ولكنه مقيس على كلامهم؛ فهو إذن من كلامهم ... ألا ترى أنك تقول: طاي الخشكنان من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به هكذا.»
وأما ابن جني، فقد نحا في كتابه الخصائص منحى جديدا طريفا يدل على تذوقه اللغة، وتوسعه فيها، رأى الفقهاء وضعوا للفقه أصولا، والمتكلمين وضعوا لعلم الكلام أصولا، فأراد أن يضع للغة أصولا، وكان له فضل فيما سماه «الاشتقاق الكبير»، ويعني به أصول الكلمة، وتقليبها على وجوهها المختلفة، واستخراج التباديل، والتوافيق منها، كأن تأخذ كلمة «كلم»، وتحولها إلى ملك، ومكل، ولكم، وكمل، ولمك، وتمعن النظر فيها لتنظر هل هذه الحروف إذا جمعت كلها دلت على شيء واحد، وترى أن هذه الحروف إذا جمعت دلت على القوة. ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر في سيرها؛ فقد نكبت عندما نكبت المعتزلة.
كان المعتزلي يتباهى باعتزاله، ويفتخر به، قال صاحب الحور العين: «إن المعتزلة ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلا، ولهم من التصانيف الموضوعات، والكتب المؤلفات في دقائق التوحيد والعدل، والتنزيه لله - عز وجل - ما لا يقوم به سواهم، ولا يوجد لغيرهم، ولا يحيط به علما لكثرته إلا الله، عز وجل. وكل متكلم بعدهم يغترف من بحارهم، ويمشي على آثارهم، ولهم في معرفة المقالات والمذاهب المبدعات تحصيل عظيم، وحفظ عجيب، وغرض بعيد لا يقدر عليه غيرهم، ينقدون المذاهب كما ينقد الصيارف الدنانير والدراهم.»
3
وقد أخذ مصباح المعتزلة يخبو شيئا فشيئا إلى أن انطفأ، وأصبح القول بالاعتزال سرا بعد أن كان جهرا؛ ولذلك أسباب سنذكرها عند الكلام على الأشعري، إن شاء الله.
| هوامش
| أهل السنة
الفصل الأول
| الأشاعرة
عرف هذا الاسم منذ أن جاء أبو الحسن الأشعري البصري، والأشعري هذا ربيب المعتزلة؛ فقد تربى عليهم، وأخذ الكلام منهم، وقد روى السبكي في طبقات الشافعية: «أنه قام على الاعتزال أربعين سنة، حتى صار للمعتزلة إماما.» وقال الحسين بن محمد العسكري: «كان الأشعري تلميذا للجبائي، وكان صاحب نظر، وذا إقدام على الخصوم، وكان الجبائي صاحب تصنيف وقلم، إلا أنه لم يكن قويا في المناظرة، فكان إذا عرضت مناظرة قال للأشعري: نب عني.»
فنحن إذا أنصفنا قلنا: إن مذهبه هو مذهب المعتزلة معدلا في بعض مسائله، ولكنه استطاع أن يحول كثيرا من الناس من الاعتزال إلى مذهبه الجديد، ونجح في ذلك إلى حد كبير.