وقالوا: والقطرة من هذه المحبة تغني عن الغدير.
وفي سكرة منها ولو عمر ساعة
ترى الدهر عبدا طائعا ولي الحكم
إلى كثير من مثل هذه الأقوال ...
والزمخشري وأمثاله من المعتزلة لا يؤمنون بشيء من ذلك، ويرون أن الحب بهذا المعنى لا يكون إلا بين الأشخاص الماديين، ولا يمكن أن يكون بين العبد والله، إنما المحبة من العبد الطاعة، ومن الله الثواب. وعلى هذا درج الزمخشري في تفسيره، واستنكر ما ذهب إليه الصوفية في كثير في تفسيره لآيات الحب. وطبيعي أن يكون هناك خلاف بين المؤمن بعقله، والمؤمن بقلبه.
على كل حال، كان الزمخشري قويا كل القوة في تفسيره لبلاغته، وبيان بلاغة القرآن وإعجازه، وتمكنه من اللغة والأساليب، حتى إن أهل السنة لم يستطيعوا أن يتخلوا عنه، بل انتفعوا به، واستخدمه كل المفسرين الذين أتوا بعده تقريبا في علمنا. وقد ألف ابن المنير الإسكندري المالكي قاضي الإسكندرية، المتوفى سنة 687ه، كتابا ضمنه التنبيه على ما في الكشاف من الاعتزال، وناقشه، ورد عليه، أو فسر الآيات الدالة على الاعتزال في نظر الزمخشري بتفسير آخر كما يفهمه أهل السنة.
وعلى الجملة، فقد كاد يكون الزمخشري آخر فحل من الفحول الذين دافعوا عن الاعتزال، فلم يأت بعده من يسابقه، أو يجاريه.
| هوامش
الفصل السابع
| أدب المعتزلة
وقد خلف المعتزلة للعالم العربي أدبا كثيرا، ونستعمل هنا كلمة أدب بالمعني الواسع، فتفاسير للقرآن، وتحاليل للأحداث التاريخية، وملء الهواء بالمناظرات التي لا حد لها، كالمناظرات في خلق القرآن إلى دراسات للحيوان لدلالته على قدرة الله، إلى شعر ومراسلات، إلى إثارات للعقول، ويكفيهم فخرا في الأدب صحيفة بشر بن المعتمر في البلاغة، وما ألفه الجاحظ في موضوعات كثيرة لم يكن يستطيع أن يؤلف فيها لولا الاعتزال، إلى أدب البويهيين، والصاحب بن عباد، وابن العميد، ومن كان في بلاطهما من الأدباء، إلى مناقشات القاضي عبد الجبار إلى أدب الزمخشري. ولكن مع الأسف أنه لما دالت دولة المعتزلة، وكرهوا من عامة العلماء اختفت أيضا كتبهم إلا القليل، وأصبح الناس يتقربون إلى الله بإحراقها، بل إنا نعد من أدب المعتزلة ما قيل في هجائهم وسبهم؛ إذ لو لم يدعوا دعواتهم ما هجوا، ومن أمثلة ذلك: ما كتبه فيهم بديع الزمان الهمذاني في إحدى مقاماته، واسمها «المقامة المارستانية».
وسماها المارستانية؛ لأنه تصور رجلا مجنونا في مستشفى المجاذيب دخل عليه رجلان: عيسي بن هشام، ومعتزلي اسمه أبو داود العسكري، فأخذ هذا المجنون يشتم المعتزلي، ويهجوه، ويسفه آراءه، فمثلا يقول له: «إن الخيرة لله لا لعبده»، وذلك خلاف ما يقوله المعتزلة من أن العبد مختار مطلق في أفعاله، وليس لإرادة الله دخل فيها. ويقول له: إنكم يا معتزلة
1
تقولون: «خالق الظلم ظالم، أفلا تقولون: خالق الهلك هالك؟»؛ ذلك لأن المعتزلة يقولون: إن الله لو كان خالقا لأفعال العبد، وفي الناس من يقع منهم الظلم، لكان الله خالقا للظلم، ولو كان خالقا للظلم كان ظالما؛ فرد عليهم بقوله: إن الله خالق فناء العالم، وفناء الأفراد، فعلى قياسكم يكون خالق الإفناء فانيا، تعالى الله عن ذلك.
ويقول: «إن إبليس خير منكم؛ إذ يقول:
رب بما أغويتني ، فأقر بالإغواء، وأنكرتم، وآمن وكفرتم ...»، وتقولون: «إن العبد يختار أفعال نفسه، والمختار لا يبعج بطنه، ولا يفقأ عينه، ولا يرمي من حالق ابنه»، أي إنه إذا كان مختارا ما صدرت عنه هذه الأفعال، ثم قال: «فليحزنكم أن القرآن بغيضكم، وأن الحديث يغيظكم، وإذا سمعتم:
من يضلل الله فلا هادي له (الأعراف: 186)، وإذا سمعتم: زويت
2
لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، جحدتم»؛ وذلك لأن أكثر المعتزلة ينكرون الإسراء والمعراج إلا بالروح. ثم إذا قيل: عرضت علي الجنة حتى هممت أن أقطف ثمارها، وعرضت علي النار حتى اتقيت حرها بيدي، أنغضتم رءوسكم، ولويتم أعناقكم. وإن قيل: عذاب القبر، تطيرتم. وإن قيل: الصراط، تفاخرتم؛ وذلك لأن أكثر المعتزلة ينكرون وجود الجنة والنار اليوم، كما ينكرون عذاب القبر بآلام حسية، وإنما هي - كما يقولون - بآلام نفسية، كما ينكرون عذاب الصراط بالمعنى المادي، ويقولون: «إنه عبارة عن طريق الحق»، ثم يسبهم «بأنهم خبث الحديث»؛ لأنهم اعتزلوا حديث الناس لما سمعوا حديث الحسن البصري، فسماهم من أجل ذلك خبث الحديث، كما سبهم بأنهم «مخانيث الخوارج»، والمخانيث: جمع مخناث، كالمخنث؛ وذلك لأنهم اتفقوا مع الخوارج في تفسيق بعض الناس الذين حكموا أبا موسى الأشعري، ولم يكن من رأيهم التحكيم، ولكن الخوارج كان من رأيهم قتال من حكموا بتضليله، وأما المعتزلة فلا يرون القتال، فالمعتزلة بالنسبة للخوارج كالمخانيث من الرجال ... إلخ.