إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (النساء: 48)، فسرها على مذهب المعتزلة؛ فوقف عند الجملة الأولى:
إن لله لا يغفر أن يشرك به ، وجعل لمن يشاء متعلقا فقط به يغفر ما دون ذلك؛ فهو لا يغفر الشرك مطلقا، ويغفر ما دون ذلك لمن تاب: بخلاف السنية فقد قالوا: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ولو من غير توبة. وتقييد المعتزلة، مغفرة ما دون ذلك بالتوبة مما لا دليل عليه، وقد قال الزمخشري: إنها لو لم تقيد بالتوبة لزم إغراء الله تعالى العبد بالمعصية، والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله.
وقال الزمخشري في قوله تعالى:
ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق (الأعراف: 169) إن المراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على إثباتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على ما هم فيه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنهم وبخوا على إيجابهم على الله غفران الذنوب التي لا يزالون يعودون إليها، ولا يتوبون منها. وعرض الزمخشري في تفسيره بأهل السنة، وزعم أن مذهبهم هو مذهب اليهود بعينه، حيث جوزوا غفران الذنوب من غير توبة.
وكذلك أول آيات الحسد في مثل قوله تعالى:
قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد (الفلق: 1-5) لا بالتعاويذ ونحوها، ولكن من طريق إيقاع الشقاق، وبث الأخبار لإفساد النفوس، إلى غير ذلك.
وفي نظري أن هذا كله وضع مقلوب، فبدل أن يطبق المبادئ، ويخضع القرآن لها، كان يجب أن يطبق القرآن، ويخضع المبادئ له، ولكن هذا كانت طريقته.
وإذ كان إيمان الزمخشري إيمانا جدليا، وأعني بالإيمان الجدلي الإيمان عن طريق المنطق، والمقدمات، والنتائج، والقياس، فقد أنكر ما يقوله الصوفية في شأن الحب، فالصوفية يقولون في حب الله كما يقول المحبون من البشر بعضهم في بعض، وحتى إنهم استعاروا في حبهم ألفاظ الغزل، وشعر الغزليين من الشعراء، كأبي نواس، ومسلم بن وليد، وذكروا الوصال والهجران، والغناء في المحبوب، ونحو ذلك، وقالوا في ذلك الشيء الكثير، ننقل لك بعضا منه؛ من ذلك: قول أبي عبد الرحمن السلمي: «المحبة أن تغار على محبوبك أن يحبه غيرك»، وقالوا: «المحبة سكر لا يصحوا صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه»، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشدوا:
فأسكر القوم دور كأس
وكان سكري من المدير
وقالوا: «الشوق احتياج القلب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبة يكون الشوق.» وقيل لبعض الصوفية: هل تشتاق إليه؟ فقال: إنما الشوق إلى غائب، وهو حاضر لا يغيب ... إلخ إلخ.
وقالوا: إن الحب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: محبة العوام، وهي الحب للإحسان، وقد جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها، وهو حب يتغير، وهو حب الذين يطلبون أجرا على ما يعملون، وفيه يقول أبو الطيب:
وما أنا بالباغي على الحب رشوة
ضعيف هوى يرجى عليه ثواب
القسم الثاني: محبة الخواص، الذين يحبون الله إجلالا وإعظاما، ولأنه أهل لذلك، وإلى هذا أشار النبي بقوله: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه.
وقالت رابعة العدوية:
أحبك حبين حب الهوى
وحب لأنك أهل لذاكا
وهذا الحب لا يتغير لبقاء الجمال والجلال.
والقسم الثالث: محبة خواص الخواص، وهو الحب الناشئ من الجذبة الإلهية، وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة، وحقيقتها: أن يفنى المحب في المحبوب، وربما بقي صاحبها حيران سكران، لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى. وفي مثل ذلك يقول الشاعر:
يقولون إن الحب كالنار في الحشا
ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد
وما هو إلا جذوة مس عودها
ندى فهي لا تذكو ولا تتوقد
ومحبة الرب لهذه الأقسام هي فيما يتعلق بالعوام الرحمة، وكأنه قال لهم: اتبعوني بالأعمال الصالحة أرحمكم، وتعلقت بالخواص من حيث الفضل، وكأن الله قال لهم: اتبعوني بمكارم الأخلاق أخصكم بتجلي الجمال عليكم. وتعلقت بخواص الخواص من حيث الجذبة، فكأن الله قال لهم: اتبعوني ببذل الجود، أخصكم بجذبي لكم.