وإنما سقنا هذه الفقرة أولا: للدلالة على أسلوبه؛ وثانيا: لأنه شهر بين الخاصة من قومه بالعلم، حتى استجازوه. وثالثا: لدلالتها على أنه كان عزيز النفس، محبا للخير، كافا على ما لا يعنيه، مقبلا على شأنه، وهو مع ذلك يتستر وراء هذه القطعة بالاعتداد بنفسه، إذ يقول في بعض شعره:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من وصل غانية وطول عناق
وتمايلي طربا لحل عويصة
أشهى وأحلى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها
أحلى من الدوكاء والعشاق
3
وألذ من نقر الفتاة لدفها
نقري لأنفي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته
نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي؟
والذي يهمنا هنا الكلام عن تفسيره واعتزاله، وكان يجاهر بمذهبه، ويدونه في كتبه، ويصرح به في مجالسه، وكان إذا قصد صاحبا له استأذن عليه في الدخول، ويقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: «أبو القاسم المعتزلي بالباب»، وقد بذل مجهودا كبيرا، وتحمل عناء شاقا في سبيل تفسير الآيات القرآنية على مقتضى مذهب الاعتزال من الأصول الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
4
فمثلا: إن في القرآن الكريم آيات ظاهرها يدل على الاختيار، وأن العبد يخلق أفعال نفسه، وآيات ظاهرها أن الله خالق كل شيء، والتوفيق بينهما متعب جدا، وقد حار في ذلك كل المتكلمين، وقالوا: إن هذا من الأسرار التي لا يمكننا الوصول إليها، وإن عقلنا البشري لا يستطيع إدراك سرها، وإن كان الصوفية من أمثال محيي الدين بن عربي، والغزالي رأوا أنهم أدركوا ذلك عن طريق الكشف.
على كل حال تعب الزمخشري كثيرا في التوفيق، وتفسير الآيات على هذه الأصول، والتعاليم المعتزلية الأخرى، كنفي السحر، وأنه ليس قلبا لطبائع الأشياء، وإنما هو لعب بأعين الناظرين وعقولهم، وعدم رؤية الجن، وغير ذلك، ونسوق الآن أمثلة تدل على مقدار ما فعل، فأول ذلك مثلا: أنه بدأ كتابه «الكشاف» بقوله: الحمد لله الذي خلق القرآن على مذهبي في الاعتزال، ثم غيرت فيما بعد بالحمد لله الذي أنزل القرآن، ومثلا: قال تعالى:
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة (البقرة: 7)، وظاهرها أنه تعالى حجر على قلوبهم، فلا يستطيعون بعد الإيمان، هذا الظاهر ضد ما يقوله المعتزلة في اختيار العبد في خلق أفعال نفسه فقال: إنه لا ختم على القلوب، ولا على الأسماع، ولا تغشية على الأبصار على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه، وهما الاستعارة والتمثيل: أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها، ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه.. واستكبارهم عن قبوله واعتقاده كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة، كأنما غطي عليها، إلخ ...
وثانيا: لما جاء إلى آية:
فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (الأنفال: 17)، كان ظاهرها أن أفعال العباد كلها منسوبة إلى الله في الواقع، وليست نسبتها إلى الله إلا نسبة إلى الظاهر، فجاء الزمخشري، فأول الآية أيضا إذ قال: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم،
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (الأنفال: 17)، يعنى أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنك لو رميتها لم يبلغ أثرها إلا ما يبلغ أثر رمية البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه؛ لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله، وهكذا ... أول الآيات كلها من هذا القبيل على مذهب الاعتزال.
ولما وصل الزمخشري إلى قوله تعالى: