تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونقدوا أبا بكر أيضا في أنه استخلف عمر، مع أن النبي

صلى الله عليه وسلم

لم يستخلف، خصوصا أنه روي عن أبي بكر أن رسول الله لم يستخلف، وقد أجيب عنه بأن كون رسول الله لم يستخلف لا يدل على تحريم الاستخلاف، كما أن النبي لم يركب الفيل، فلا يدل على تحريم ركوب الفيلة، وقد رأى أبو بكر المصلحة في ذلك، وخاف من حصول الخلاف بين الصحابة بعد وفاته على من يكون إماما، فبت في الأمر باستخلاف عمر.

ونقدوه أيضا بأنه سمى نفسه خليفة رسول الله، مع اعترافه بأنه لم يستخلفه. وأجاب قاضي القضاة: بأن الصحابة سموه خليفة رسول الله؛ لاستخلافه إياه على الصلاة عند موته، إلخ ... وهذا إن دل على النشاط الفكري، وحرية الرأي، فإنه يدل مع الأسف على الفرقة الشديدة وعدم توجههم إلى الناحية العملية التي تصلح بها أمور المسلمين.

ومثل ذلك أيضا ما طعنوا به عمر في مسألة الشورى عند موته، فقد روي أنه قال: «لا أدري ما أصنع بأمة محمد؟ قال له ابن عباس: لم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟ قال: أصاحبكم؟ - يعني عليا - قلت: نعم. هو لها أهل في قرابته من رسول الله وصهره، وفي سابقته وبلائه. قال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة. قال ابن عباس: قلت: فأين أنت من طلحة؟ قال عمر: فأين الزهو والنخوة؟ قلت: فعبد الرحمن بن عوف. قال عمر: هو رجل صالح على ضعف فيه، قلت فسعد؟ قال: ذاك صاحب منقب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير. قال: وعقة لقس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، شحيح ... وإن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ...»

ونحن نشك في هذا الحديث لأسلوبه، ومع كل ذلك فالمعنى صحيح، وهو أن عمر جعل الأمر في هؤلاء الستة لحيرته في أيهم أصلح للإمامة، فطعن المرتضى عليه من وجوه: فأولا: ذم كل واحد بأن ذكر فيه طعنا، ثم أهله للخلافة، ثانيا: قال: إن اجتمع علي وعثمان، فالقول ما قالاه، وإن صاروا ثلاثة، فالقول للذين فيهم عبد الرحمن ... قال المرتضى: إنما قال عمر ذلك لعلمه بأن عليا وعثمان لا يجتمعان، وأن عبد الرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عن عثمان لقرابته منه، وقال: إنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام، وهم لم يأتوا أمرا يستوجب القتل، وقد أجاب عبد الجبار أن عمر إنما فعل ذلك؛ لأنه لم ير في نظره رجلا كاملا حتى يسند الخلافة إليه، فرشح أصلحهم لها، وثانيا: إنما رجح الجانب الذي فيه عبد الرحمن؛ لأنه أزهدهم في الخلافة، فأسند إليه الاختيار. ثالثا: قوله: إن عثمان وعليا لا يجتمعان، وأن عبد الرحمن يميل إلى عثمان قلة دين، لا يصح أن تسند إلى عبد الرحمن بمجرد الرأي. ورابعا: أمره بقتل من تخلف ليس بثابت صحته، ولو صح لكان عمر معذورا، لأنه يئول بالأمة إلى الشقاق.

هذا ملخص صغير جدا مما دار بين المرتضى وعبد الجبار.

6

| هوامش

الفصل السادس

| الزمخشري

ثم جاء بعد ذلك الزمخشري،

1

وإذا نحن وصلنا إليه، وإلى عبد الجبار فقد وصلنا إلى خلاصة مجهود المعتزلة، وأبحاثهم في أربعة قرون تقريبا، وهو أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري،

2

وهو إمام كبير في التفسير والنحو واللغة، مؤلف تآليف عظيمة في كل ذلك، ففي اللغة والبلاغة «أساس البلاغة»، و«المستقصى في الأمثال»، و«الفائق في غريب الحديث»، و«مقدمة الأدب»، وفي النحو «المفصل»، و«الأنموذج»، و«المفرد المؤلف»، وله كتاب «الرائض في علم الفرائض»، وله «أطواق الذهب في المواعظ»، إلى غير ذلك من الكتب القيمة، وكلها فيه جدة وابتكار، وأعظمها تفسير الكشاف المشهور.

وقد اشتهر الزمخشري في عصره، ومدحه الشعراء والأدباء، وطلب العلماء أن يعطيهم الإجازة في رواية كتبه. ومن لطيف ذلك أن الحافظ أبا الطاهر السلفي كتب إليه من الإسكندرية يستجيزه، وكان الزمخشري مجاورا بمكة، قضى فيها زمنا طويلا، وسكن في دار قريبة من الكعبة، واستفاد في أثناء ذلك فوائد كثيرة، فكتب إليه الزمخشري جوابا طويلا يشبه خطاب أبي العلاء لابن القارح، يقول فيه: «ما مثلي مع أعلام العلماء إلا كمثل السها مع مصابيح السماء ... والجهام الصفر والرهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام، والسكيت المخلف مع خيل السباق، والبغاث مع الطير العناق ... وما التلقيب بالعلامة، إلا شبه الرقم بالعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها الدراية، والثاني الرواية، وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلي فيها أقلص من ظل حصاة، أما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام مشاهير، وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبرض ما يبل شفاها ... ولا يغرنكم قول فلان وفلان في ... (وعدد قوما من الشعراء والأدباء)، فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه، وجهل بالباطن المشوه، ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وإيصال الشفقة إلى المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإضافة المبار والصنائع عليهم، وعزة النفس ، والذب بها عن السفاسف الدنيات، والإقبال على خويصتي، والإعراض عما لا يعنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا في، ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير».

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٥١