ولما لم يعجب الإمامية هذا الكلام وجهوا نقودا كثيرة إلى من سبق عليا من الأئمة. فمثلا: ثارت ضجة كبيرة حول مسألة «فدك»، وهي قرية اختلف عليها أبو بكر من ناحية، وعلي وفاطمة من ناحية أخرى، وهي قطعة من الأرض كانت مما أفاء الله على رسول الله، فدخلت في ملكه ومات عنها، فهل تورث أو لا تورث؟ وإن ورثت ففاطمة أحق بها، ووجهة نظر أبي بكر أنه علم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة.» وكان رسول الله يتصدق بغلتها، فكان أبو بكر يصنع فيها ما كان يصنع رسول الله، وجاء عمر فعمل ما كان يعمل أبو بكر. وفاطمة وعلي كانت وجهة نظرهما أن المال مال النبي، وأنه يعود عليهما بالإرث، وقد أنصفهما أبو بكر إذ روي أنه قال لفاطمة: «أنت عندي صادقة أمينة، إن كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عهد إليك في ذلك عهدا أو وعدك به وعدا صدقتك، وسلمته لك، فقالت: لم يعهد إلي في ذلك بشيء، ولكن الله تعالى يقول:
يوصيكم الله في أولادكم (النساء: 11) فقال أبو بكر: أشهد لقد كان رول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث»، ثم اتسعت شقة الخلاف بين، فقال أبو بكر: أشهد لقد كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث»، ثم اتسعت شقة الخلاف بين الرأيين، واتهموا أبا بكر بالخطيئة، واتهموا عمر بممالأة أبي بكر، وشغلت الحادثة الناس زمنا طويلا حتى أتت إلى عبد الجبار وخصومه، فقال عبد الجبار: «إن الخبر الذي احتج به أبو بكر هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، لم يقتصر على روايته هو وحده، بل استشهد عليه عمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف؛ فشهدوا كلهم به، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثا فيعطي فاطمة حقها، حتى لقد روي أن فاطمة لما سمعت شهادة هؤلاء الشهود كفت، ولكن بعض الشيعة تعصب لها أكثر من نفسها، فقالوا: قال الله:
وورث سليمان داوود (النمل: 16)؛ فهذا نبي ورث، فرد الآخرون عليهم بأنه ورثه العلم والحكمة، لكنه لم يورثه المال، وقد صمم أبو بكر وعمر على رأيهما. هذه خلاصة وجيزة لهذه الحادثة.
وماتت فاطمة وعلي وأبو بكر وعمر، فلا ندري معنى لأن يبقى الخلاف قائما بعد مرور نحو ثلاثة قرون، بل إلى الآن، ويدخل الأمر في الدين، وتنقسم المذاهب المختلفة، بل من العجيب أن تستمر إلى يومنا هذا مع التناحر والتخاصم.
نعم، إننا نفهم أن تكون المسألة مما يصح أن يعرض له المؤرخون اليوم وأمس وغدا، شأنها في ذلك شأن المسائل التاريخية، أما أن تكون سببا للتنافر والتخاصم بعد زوال أصحابها بقرون، فأمر يدعو إلى العجب.
وقس على هذا كثيرا من المسائل التي من هذا القبيل.
بعد هذا نعرض لمثل من نقد الشيعة الإمامية لأبي بكر؛
5
فقد نقدوه بأنه هو وعمر كانا من جيش أسامة الذي أرسله النبي
صلى الله عليه وسلم
للغزو، وقد تأخرا عن السير معه، فتأخرهما يقتضي مخالفة للرسول، فأجاب قاضي القضاة بأن أبا بكر لم يثبت أنه كان في جيش أسامة، والمسألة مسألة مصالح عامة، وقد اختير أبو بكر ليكون أمير المؤمنين، فالمصلحة تقتضي بقاءه لتيسير الأمور، وإلا ساءت حال المسلمين ... وقد استأذن أسامة في أن يبقى معه عمر ليعينه.
ونقدوا أبا بكر أيضا في قصة خالد بن الوليد، وأن خالدا قتل مالك بن نويرة، وتزوج امرأته في ليلته، ثم إن أبا بكر ترك إقامة الحد عليه، وإيقاع العقوبة عليه، وقال أبو بكر: «إن خالدا سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، فلا أعاقبه، مع أن الله تعالى قد أوجب القود»، واعتذر عن أبي بكر بأن خالدا قد اعتذر لأبي بكر عن خطئه، وقد قبل أبو بكر عذره لجليل أعماله. قال المرتضى: «إن أبا بكر لا يملك العفو في الحدود؛ لأنها حق الله، فالعفو عنه تغافل عن أمره، وإقرار له على الخطأ الذي وقع فيه.»