تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكم في القصاص حياة يا أولي ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة: 45) إذا اشتجرت، والألحاظ إذا تصرفت، والألفاظ إذا جرت، بين الغني المثري، والفقير المقوى، والقوي الموقر، والضعيف المستحقر، فليس بالثراء تشرف المنازل وترتفع، ولا بالإقواء تضعف الوسائل وتضع. وبعد فكل عباد الله يسعهم فضله، ومشرع في حكم الله، يشملهم عدله:

إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (الحجرات: 13).

1

وتدل الرسائل على أن الصاحب بن عباد كان يعز القاضي عبد الجبار ويوقره، ويواليه بالكتابة على تشيع واعتزال عرفا عن البويهية.

وقد ألف عبد الجبار كتبا كثيرة وصل إلينا: «شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة» في أجزاء عدة شرحا مستفيضا مسهبا، يبين أصول المعتزلة ونظراتهم في إسهاب،

2

ونقلت عنه أقوال كثيرة كان يحاج بها الشريف المرتضى.

وقد كان الشريف المرتضى نقيب الطالبين ببغداد، وكان عالما كبيرا، بقيت لنا من تآليفه «أمالي المرتضى - الغرر والدرر - الشيب والشباب»، وكان شيعيا على مذهب الإمامية.

3

وكان يرى في الإمامة، وفي تفسير أعمال الصحابة ما يوافق مذهبه، وكان قاضي القضاة عبد الجبار شيعيا معتزليا، ومعنى هذا أنه أقل تعصبا للتشيع، وأكثر تحكيما للعقل؛ لذلك جرى بين العالمين الكبيرين جدال طويل في مسائل كثيرة نسوق أمثلة منها. وأنت إذا رأيت في الكتب كلاما يسند إلى النقيب فهو الشريف المرتضى، فإن أسند إلى قاضي القضاة فهو عبد الجبار.

وربما صورنا أصول الخلاف بين الشريف المرتضى، وعبد الجبار في كلمة صغيرة، وهي أن الشريف المرتضى لما كان شيخا للإمامية في عصره، كان يرى بطبيعة الحال أن هناك نصا من النبي

صلى الله عليه وسلم

على استخلافه لعلي، لا من طريق الكفاية وحدها، بل إن النبي

صلى الله عليه وسلم

نص عليه بالاسم، بل إن الخلافة فيه، وفي أبنائه من فاطمة من بعده. وإذ كان علي معينا بالاسم، فأبو بكر وعمر مغتصبان حقه، ظالمان له، وذلك عكس الزيدية من الشيعة؛ إذ كانوا يرون أن النبي عينه بالوصف لا بالشخص، فهم يعتقدون صحة إمامتهما، وأن خلافتهما صحيحة، وكثير من المعتزلة على هذا الرأي؛ إذ كانوا قد قالوا بصحة إمامة المفضول كما ذكرنا من قبل؛ فكان الشريف المرتضى من الرأي الأول القائل ببطلان إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكان للقاضي عبد الجبار من الرأي الثاني القائل بصحة إمامة المفضول.

وطبيعي أن الإمامية - ومنهم الشريف المرتضى - لم تتحرج من نقد أبي بكر وعمر وعثمان، وتفسير الأحداث التاريخية وفق مذهبهم، كما أن من الطبيعي دفاع القاضي عبد الجبار عنهم، والرد على مطاعن الإمامية؛ فقامت بذلك ثورة عنيفة بين العالمين.

قال الإمامية: إن الرسول

صلى الله عليه وسلم

نص على إمارة علي نصا صريحا جليا غير نص يوم الغدير،

4

فإنه كان تلميحا، بل إنه نص عليه بالخلافة، وبإمرة المؤمنين، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بها، وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة له. أما الشيعة من المعتزلة فتقول: إنه إن لم يكن هناك نص صريح مقطوع به، وإن يكن شيء فتلميح وإيماء يحتمل الدلالة عليه، ويحتمل غيرها.

ومن المؤسف أنه قد اختلقت أحاديث كثيرة زادت في شناعة الموقف، كإسنادهم أن عمر ضرب فاطمة بالسوط، وضغطها بين الباب والجدار حتى صاحت: «يا أبتاه»، وأنه هدد عليا بالقتل إن لم يبايع، إلى آخر الأحداث التي لم تثبت تاريخيا.

أما المعتزلة فقالوا: إنه لو كان هناك نص صريح لا يحتمل الشك ما تجرأ جمهور الصحابة على مخالفته، ولكان علي نفسه عند مخالفتهم له قد ذكرهم بهذا النص؛ فعدلوا عن مبايعة غيره، بل لو كان هذا النص موجودا ما بايع علي غيره، وكانت مبايعته لأبي بكر وعمر وعثمان خطأ منه، خصوصا أنه لم يصلنا خبر عن أن أحدا من هؤلاء أكرهه إكراها شرعيا، وكل ما في الأمر أن كثيرا من الصحابة عرفوا مزايا علي من شجاعة وعلم، ونحو ذلك، ولكن لاعتبارات دينية واجتماعية ومصلحية فضلوا أن يبايعوا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما جاء دور علي لم يتأخروا عن مبايعته.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٤٩