ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب (البقرة: 179)؛ فحكم سبحانه بأن إثبات القصاص مما يمنع القاتل عن القتل؛ فتدوم حياة المقتول، فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله القاتل، ما كان في إثبات القصاص حياة، وأما إلزام القاتل القود والغرامة فلأنا لا نقطع بموت المقتول لو لم يقتل، بل يجوز أن يبقى.
ويرى المعتزلة أيضا أن لملك الموت أعوانا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه، ولولا ذلك لتعذر عليه، وهو جسم أن يقبض روحين في وقت واحد، أحدهما في المشرق، والآخر في المغرب؛ لأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد. ولا يبعد أن يكون الحفظة الكاتبون هم القابضون للأرواح عند انقضاء الأجل، وإنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن الله تعالى به، وهو حضور الأجل، فألزموا أن يغوص الملك مع الفريق ليقبض روحه تحت الماء، وقالوا: ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسامه، فإن فيه مسام ومنافذ.
الفصل الرابع
| رجال المعتزلة في دور الضعف
وفي دور ضعف المعتزلة، وذهاب دولتهم ظهر أعلام قلائل كانوا أكفاء لرفع راية الاعتزال.
نذكر منهم: أبا القاسم البلخي، وأحيانا يلقب بالكعبي، وقد كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم الكعبية، وله مقالات كثيرة في الاعتزال، ومات سنة 217ه.
ومنهم التنوخي، وقد تلقب بهذا اللقب أكثر من واحد، وكلهم معتزلة.
ومنهم أبو علي الجبائي، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة، كان رئيس المعتزلة نسبة إلى جبي من أعمال خوزستان، مات سنة 303ه، وقد رد أيضا على ابن الراوندي، ولما خرج الأشعري رد عليه، ولكن مع الأسف لم يصلنا شيء من ذلك، ولا من تفسيره للقرآن على مذهب الاعتزال، وأظن أن الزمخشري قد استفاد منه بعد في تفسيره، وكثيرا ما يخلط الناس بينه وبين ابنه أبي هاشم الجبائي، وقد كان أيضا عالما كبيرا من علماء المعتزلة، وإليه تنسب فرقة معتزلية تسمى «البهشمية» نسبة إلى أبي هاشم، وقد انتشرت كثيرا في الري، وما حولها بسبب تأييد الصاحب ابن عباد الوزير البويهي له.
ولما ضعفت الدولة العباسية، واختل نظامها، جاءت الدولة البويهية، وذلك أن الخليفة العباسي المستكفي جعل أحمد بن بويه أميرا للأمراء، وأنعم عليه بلقب معز الدولة، وكان يدعي الانتساب إلى ملوك ساسان؛ فتسلط هو وإخوته على الخلفاء، يعزلونهم إن شاءوا، ويبقونهم إن شاءوا، ووسعوا سلطانهم فأخذوا أصبهان وشيراز، حتى بلغوا الأهواز، وألفوا دولة اتخذوا عاصمتها شيراز. والذي يهمنا هنا أن دولة بني بويه كانت دولة شيعية تتظاهر بشعائر الشيعة جهارا، وتحتفل بالأعياد الشيعية، كإقامة المناحة في عاشوراء حدادا على الحسين، وتحتفل بعيد الغدير، إلى غير ذلك ...
وكان أهم أمرائهم وألمعهم عضد الدولة، وقد كان يقيم في شيراز، ولكن لم يمنعه ذلك من إصلاح بغداد، وإنشاء عدد كبير فيها من المساجد والمستشفيات. ومما خدم به التشيع إنشاؤه مشهد علي، وقد كان يرعى العلم والأدب، وينفق فيهما الأموال الكثيرة، وإذ كانت دولة بني بويه شيعية كما ذكرنا، وكان قسم كبير من المعتزلة شيعيا أيضا، أفسحت الدولة البويهية صدرها للمعتزلة، فوجدنا الاعتزال يترعرع فيها، فابن العميد الذي كان واليا للبويهيين على إقليم الري كان معتزليا.
الفصل الخامس
| القاضي عبد الجبار
وابن عباد أعظم وزراء البويهيين كان معتزليا أيضا، وكان يقرب العلماء والأدباء، وقالوا: إنه كان يرسل إلى بغداد كل سنة خمسة آلاف دينار لتفرق على الفقراء، وأهل الأدب، وكان هو نفسه عالما أديبا حتى ألف في اللغة معجما كبيرا يقع في سبع مجلدات سماه «المحيط»، كما كان محدثا، كما ألف في إمامة علي بن أبي طالب، وقد عين المعتزلي الكبير عبد الجبار قاضي القضاة له، وجاء في رسائل الصاحب العهد الذي عهد به الصاحب إليه، وجاء فيه: «هذا ما عهد مؤيد الدولة إلى عبد الجبار بن أحمد، ولاه قضاء القضاة بالري، وقزوين، وسهرورد، وقم، وما يجري معها، ويتصل بها، علما بما لديه من علم يهتدى بأضوائه، وورع يستسقى بأنوائه، وكفاية يكتنفها الحلم والحجي، وأمانة يبعثها النسك والتقى، وموقع في علية أهل الدين ترمقه النواظر، ومكان من صفوة المسلمين تعقده الخناصر.» وبعد أن أمره باتباع الكتاب والسنة والإجماع، قال: «وإذا عرض في الأحكام ما يعضل استخراجه، ويستبهم رتاجه، فليتبين ويتئد، وليفكر ويجتهد، ويستشر أماثل العلماء ويستحد، ويأخذ من آراء الفقهاء، ولا يستبد، حتى إذا وضحت له القضية أكمل فضل الاستشارة، بيمن الاستخارة، وأمضى من الحكم، ما يأمن فيه مصارع الظلم،