تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحللوا العداء بين عائشة من جهة، وعلي وفاطمة من جهة أخرى، فقال بعضهم: أول بدء هذه العداوة أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

تزوج عائشة عقب موت خديجة فأقامها مقامها، وفاطمة هي ابنة خديجة. ومعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها، وتزوج أبوها أخرى كان بينها وبين المرأة كدر وبغض؛ لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب إليها، والبنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غير أمها. وكان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يظهر حب عائشة فيزداد ما عند فاطمة، ويكرم فاطمة إكراما شديدا، فيزيد ما عند عائشة. وكان رسول الله يقول عن فاطمة: «إنه يؤذيني ما يؤذيها، ويغضبني ما يغضبها.» فيزيد ذلك من غيظ عائشة، فلما تزوج علي فاطمة بالطبيعة تسر إليه ما في نفسها من عائشة، كما أن عائشة كانت تسر إلى أبيها أبي بكر ما في نفسها من فاطمة؛ ولذلك لم تحسن الصلة أيضا بين علي وأبي بكر. ولما حدثت حادثة الإفك قال علي للنبي

صلى الله عليه وسلم

لما استشاره: إن النساء غيرها كثير، وقد جرت العادة أن الناس لا يتورعون عن نقل أحاديث هذا إلى ذاك، أو هذه إلى تلك، بل ربما يزيدون عليها ما يوسع شقة الخلاف.

كل ذلك زاد من بغض كل لصاحبه، ثم إن فاطمة ولدت أولادا كثيرة بنين وبنات، ولم تلد عائشة ولدا، وكان رسول الله يقيم بني فاطمة مقام بنيه، والزوجة إذا حرمت الولد لم تحب أولاد بنت زوجها، وحدث أن رسول الله سد باب أبي بكر إلى المسجد، وفتح باب علي، فعمل ذلك في نفسها، وحدث أيضا أن ولد لرسول الله

صلى الله عليه وسلم

إبراهيم من مارية، فأظهر علي السرور بذلك كثيرا، غيظا في عائشة، وكان علي يتعصب لمارية، ويقول بأمرها عند رسول الله، فكان ذلك يوغر صدر عائشة، ثم مات إبراهيم فأبطنت فاطمة وعلي الشماتة، وإن أظهرا كآبة ...

وهكذا من التحليلات الدقيقة التي قامت مقام ما يفعله علماء النفس اليوم في تعليل الحوادث من جهة، ومن جهة أخرى تدل على أن كثيرا من المعتزلة شرحوا الحوادث بين كبار الصحابة، حتى في امرأة النبي

صلى الله عليه وسلم ، كما يشرحون الحوادث العادية من غير فرق.

هذه أمثلة مختلفة من الاتجاهات التي كان يتجهها المعتزلة: فأمور ميتافيزيقية، وأمور فيزيقية، وأمور في الفقه والحديث والأصول، وأمور في السياسة، وقد كان يمكن أن تكون الأمور السياسية أبحاثا خارجة عن الدين كما تبحث المسائل السياسية اليوم، ولكنهم ألصقوها بالدين بالحكم على الموافق منهم لآرائهم بالصلاح والتقوى، والمخالف لآرائهم بالفسوق والعصيان. وكثيرا ما كانوا إذا تعرضوا لعمل من أعمال الصحابة حكموا بعصيانه، أو بعدم عصيانه، وبأنه يستحق الجنة أو النار، وبأن عمله يوافق الدين أو يخالفه، وسلك خصومهم مسلكهم، فكان من ذلك أن اصطبغت الأمور السياسية بالصبغة الدينية.

| هوامش

الفصل الثالث

| بين الشيعة والمعتزلة

اختلف الشيعة والمعتزلة في الأجل، فقالوا: لو لم يقتل القاتل المقتول، هل كان يجوز أن يبقيه الله تعالى؟ فقال أبو الهذيل العلاف بموته لو لم يقتله القاتل، وليس يجوز أن يكون الله تعالى قد أجل أجله، ثم يقتل قبل بلوغه، أو يخترم دونه، ولا أن يتأخر عما أجل له. وحجته في ذلك توبيخ الله المنافقين على قولهم:

لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا (آل عمران: 156)، فقال تعالى:

لقل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (آل عمران: 168)؛ فدل على أنهم لو تجنبوا مصارع القتل لم يكونوا ليدرءوا ذلك الموت عنهم. وقالت الأشعرية والجهمية والجبرية: إنها آجال مضروبة محدودة، وإذا أجل الأجل، وكان في المعلوم أن بعض الناس يقتل، وجب وقوع القتل منه لا محالة، وليس يقدر القاتل على الامتناع عن قتله.

وقال قوم من معتزلة البغداديين بالقطع على حياته لو لم يقتله قاتل، وهذا عكس ما ذهب إليه أبو الهذيل، ومن والاه. قالوا: لو لم يمت المقتول في ذلك الوقت إذا لم يقتله القاتل، لما كان القاتل مسيئا إليه إذ لم يفوت عليه حياة، لو لم يبطلها لبقيت، لما كان القاتل مسيئا إليه إذ لم يفوت عليه حياة، لو لم يبطلها لبقيت، ولما استحق القود، ولكان ذابح الشاه بغير إذن مالكها قد أحسن إلى مالكها؛ لأنه لو لم يكن قد ذبحها ماتت فلم ينتفع بلحمها. قالوا: فإذا قال لنا: فهل تقولون إنه قطع عليه عمره؟ قلنا: إن الزمان الذي كان يعيش فيه لو لم يقتله القاتل، لا يسمى عمرا إلا على سبيل المجاز، وإنا نقطع على أنه إن لم يقتل لمات. وقال قدماء الشيعة: الآجال تزيد وتنقص، ومعنى الأجل الوقت الذي علم الله تعالى أن الإنسان يموت فيه إن لم يقتل قبل ذلك، أو لم يفعل فعلا يستحق به الزيادة أو النقصان في عمره. قالوا: وربما يقتل الإنسان الذي صرف له من الأجل خمسون سنة وهو ابن عشرين، وربما يفعل من الأفعال ما يستحق به الزيادة فيبلغ به مائة سنة، أو يستحق به النقص فيموت وهو ابن ثلاثين سنة. قالوا: فمما يقتضي الزيادة صلة الرحم، ومما يقتضي النقيصة الزنا، وعقوق الوالدين. قالوا: ومما يدل على ذلك قوله تعالى:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٤٧