تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، ولا يحمل الهم والغم الشديدين، وكان يقول: صفوان من الصحابة، وعائشة من الصحابة، والمعصية منهما ممتنعة.

قالوا: وقد كان التابعون يسلكون في الصحابة هذا المسلك، وينقدون بعضهم، ويحكمون بعصيان بعضهم، وإنما قدسهم العامة بعد ذلك، وكيف نقول: إن الصحابة لا يجوز عليهم الخطأ، والله تعالى يقول لنبيه:

ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (الزمر: 65) و

فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (ص: 26).

4

وقد نفذ المعتزلة هذا المبدأ بالفعل، فقد روي عن النظام من ذلك الشيء الكثير. وقال الجاحظ في كتابه المعروف بالتوحيد: «إن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية»، وانتقد عمر بن عبد العزيز في بعض أعماله، وقد فتح هذا أيام المعتزلة بابا واسعا، فقالوا أقوالا كثيرة تحرج عنها غيرهم، فمثلا: أنكر النظام الإجماع، وقال: إنه ليس بحجة، وجره ذلك إلى القول بعيوب الصحابة، ولم يتورع عن الطعن الشديد اللهجة.

والحق أيضا أن المعتزلة تألفت منهم في ذلك فرق، ففرق تنتقد حسبما تعتقد، وفرق ترد على النقد حسبما تعتقد أيضا، والكل أحرار، فمثلا نقد بعضهم أبا بكر نقودا كثيرة، ورد بعضهم عليها، ونقدوا عمر، وعثمان، وعليا، ورد الآخرون عليهم، ووقفوا عند قول عمر: «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة.» فهل معنى فلتة زلة وخطيئة؟ وقال أبو علي الجبائي المعتزلي: «إنها ليست بمعنى زلة، وإنما بمعنى بغتة، يريد عمر أنها حصلت فجأة، ولكن الله تعالى دفع شرها، ولذلك قال عمر: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا تحذير عن أن يبايع الناس من غير مشاورة.»

وقد جرهم ذلك إلى تعمق في التحليل النفسي، للكراهة مثلا التي بين عائشة وعلي، وعائشة وفاطمة، ولم كانت العرب تكره أن يكون علي خليفة؟ إلى أشياء كثيرة من هذا القبيل. (4-3) المقارنة بين سياسة عمر، وسياسة علي

ووقفوا عند المقارنة بين سياسة عمر وسياسة علي، ولم كانت سياسة عمر ناجحة وسياسة علي فاشلة، ولم قال الناس: إن عمر كان أسوس، وإن عليا كان أعلم ؛ بل قالوا إن معاوية كان أسوس من علي، وأصح تدبيرا. وقالوا: إن النجاح في السياسة لا يمكن إلا إذا كان السائس يعمل برأيه أحيانا، وبما يرى فيه صلاح ملكه، وتمهيد أمره، وتوطيد قاعدته، سواء وافق الشريعة، أو لم يوافقها، وإلا لم ينتظم أمره.

وعمر كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان، ويرى تخصيص النص بالرأي، ويكيد لخصومه، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدب بالدرة، ويصفح عن قوم اجترموا، كل ذلك بقوة اجتهاده، وما يؤديه إليه نظره.

هذه كانت سياسته، أما علي فكان يقف مع النصوص والظواهر، ولا يتعداها إلى الاجتهاد والأقيسة، ولا يضع، ولا يرفع إلا بالكتاب والنص، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة. وعمر كان شديدا، وعلي كان كثير الحلم، فازدادت خلافة عمر قوة، وازدادت خلافة علي خلافا. زد على ذلك ما حدث من الفتن الكثيرة أيام علي من فتنة قتل عثمان، وفتنة الجمل، وفتنة صفين، فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة.

وقد رد على هذا القول بأن الرسول

صلى الله عليه وسلم

كان يلتزم الدين بالضرورة، ويدبر أموره وفقا للدين، ولم يكن الخلاف عليه كالخلاف على علي، ولم يكن اتباعه للدين سببا في ضعف سياسته.

وأجابوا بأن النبي كان يتصرف عن وحي، والله يقول:

لتحكم بين الناس بما أراك الله (النساء: 105) قالوا: وليس بصحيح أن الناس لم يختلفوا على رسول الله كما اختلفوا على علي؛ فالقرآن مملوء بذكر المنافقين والشكوى منهم، والتألم من أذاهم. وكثير من المسلمين التووا عليه في الحروب، وكثير نازعوا في الأنفال، وطلبوها لأنفسهم، وكرهوا لقاء العدو، وقال الله فيهم:

كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (الأنفال: 6) وعلى الجملة، ففي القرآن كثير من الشكوى من المنافقين وغيرهم، فلئن كان عمر ومعاوية أسوس من علي، فسبب ذلك حريتهم أمام الدين حيث يتقيد علي بنصوص الدين. (4-4) العداء بين عائشة وعلي

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٤٦