تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

علم أنه أهل لذلك لما أهله له، ولو كان عنده نقص في صبره، أو في شجاعته، أو في مناصحته لابن عمه لما اختاره لذلك، وقد كان لعلي أن يعتل بعلة، أو نحو ذلك.

وقد عقد الجاحظ فصلا طويلا بين مبيت علي موضع الرسول، وبين مبيت أبي بكر في الغار، ورد عليه الإسكافي ردا طويلا، ثم أطال الجاحظ في ذكر فضائل لأبي بكر من شجاعة، وسخاء بالمال، وغير ذلك، فرد عليه الإسكافي بالموازنة بين شجاعة أبي بكر، وعلي، وموقف هذا وموقف ذاك ... إلخ. كما جرهم ذلك إلى البحث في صحة إمامة المفضول، وسبب ذلك: أن الروافض قالوا بوجود نص من النبي على خلافة علي؛ لأنه أفضل الصحابة، فتولية من هو أقل منه فضلا باطلة. فقال جمهور المعتزلة: إن ولاية المفضول صحيحة، ولذلك كانت ولاية أبي بكر، وعمر، وعثمان صحيحة، حتى ولو كان علي أفضل منهم.

واستدلوا بجملة أدلة: منها أن أبا بكر قال يوم السقيفة: «قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ...» يعني أبا عبيدة، وعمر، وأبو بكر أفضل منهما، ولم يقل أحد من المسلمين إذ ذاك إنه لا يحل في الدين ذلك، ودعت الأنصار إلى بيعة سعد بن عبادة، ولا شك أن غيره في المسلمين من هو أفضل منه. ولما عهد عمر إلى ستة رجال كان جائزا بالضرورة أن يكون بعضهم أفضل من بعض، فإذا وقع الاختيار على المفضول كان تنفيذا لقول عمر. وقد سلم الحسن الأمر إلى معاوية، وهو يعتقد من غير شك أنه خير منه، فقالوا: إن الصحابة تفرقوا في البلدان وهم كثير. فتقييد الإمامة بالأفضل تعجيز، خصوصا أن الصحابة تفرقوا في البلاد من أقصى السند إلى أقصى الأندلس إلى أقصى اليمن، إلى أقصى أرمينية وأذربيجان وخراسان، فكيف يعرف حالهم، ثم كيف يعرف أفضلهم، ثم نحن لو سئلنا عن معارفنا وأصحابنا: أيهم أفضل؟ لصعب الجواب، والرسول

صلى الله عليه وسلم

قد قلد كثيرا من الصحابة كثيرا من البلدان، فاستعمل على اليمن معاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، وخالد بن الوليد، وعلى عمان عمرو بن العاص، وعلى نجران أبا سفيان، وعلى مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي.

ولا خلاف في أن كثيرا من الصحابة أفضل منهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان ، وعلي، وطلحة، والزبير. وأيضا فإن الفضائل كثيرة، منها العفة عما في أيدي الناس، ومنها الشجاعة والإقدام، ومنها الحزم والبت في الأمور، وقلما تجتمع هذه الصفات الفاضلة في أحد، فقد يكون بعضها في بعض، وبعضها في البعض الآخر، ففي أيها يراعى الفضل؟

وفي الحقيقة للولاية صفات لا بد منها في الوالي، كالسياسة، وحسن تدبير الأمور، وقد يكون شخص أفضل من نواح أخرى كثيرة غير هذه، ثم لا يصلح أن يكون واليا، فلا بد لاستقامة الأمور من القول بصحة إمامة المفضول حتى تسير الأمور ولا تتعطل. (4-2) جواز خطأ الصحابة

وقد وضع المعتزلة لأنفسهم مبدأ هاما جدا، وهو أن الصحابة ليسوا معصومين، وأن الخطأ يجوز عليهم، سواء في ذلك كبيرهم وصغيرهم، وقد مكنهم هذا المبدأ من الحرية في نقد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، كما مكنهم من تحليل الأحداث التاريخية، عكس ما قاله أهل السنة من الكف عن نقد الصحابة بالإجمال.

وقد استدل المعتزلة على ذلك بما كان من نقد الصحابة بعضهم لبعض، حتى لقد يبلغ النقد أحيانا مبلغ السباب، فلما عهد أبو بكر بالخلافة لعمر قال طلحة: «ماذا تقول لربك إذا سألك عن عباده، وقد وليت عليهم فظا غليظا؟» فهل قول طلحة هذا إلا طعن في عمر. وقد روي أنه كان بين أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود سباب شديد. وروي أن عثمان قال لعبد الرحمن بن عوف: يا منافق، فقال عبد الرحمن: «ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق ... والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما وليت عثمان شسع نعلي ... اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك، فافعل به وافعل.» وروي أن عثمان قال لعلي في كلام دار بينهما: «أبو بكر وعمر خير منك. فقال علي: كذبت، أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلهما، وعبدته بعدهما.» وقد أنكرت عائشة على أبي سلمة قوله في عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل. وروى بعض الصحابة عن النبي أنه قال: «الشؤم في ثلاثة: المرأة، والدار، والفرس»؛ فأنكرت عائشة ذلك، وكذبت الراوي، وقالت: إنه إنما قال - عليه السلام - ذلك حكاية عن غيره. وروى بعض الصحابة أن النبي قال: «التاجر فاجر»؛ فأنكرت عائشة ذلك، وكذبت الراوي، وقالت: إنما قال ذلك في تاجر دلس. وأنكر قوم من الأنصار رواية أبي بكر: «الأئمة من قريش»، وقالوا: «إنه اختلق هذه الكلمة». وباع معاوية أواني ذهب وفضة بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ينهى عن ذلك، فقال معاوية: أما أنا فلا أرى به بأسا. فقال أبو الدرداء: «من عذيري من معاوية، أخبره عن الرسول وهو يخبرني عن رأيه ... والله لا أساكنك بأرض أبدا.» وقال علي لعمر، وقد أفتاه الصحابة في مسألة، وأجمعوا عليها: «إن كانوا راقبوك فقد غشوك، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا.» وأنكرت الصحابة على أبي موسى قوله: «إن النوم لا ينقض الوضوء.» ولم يصدقوا الخبر المروي عن رسول الله: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم.» وقالوا: هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى، وكيف يكون ذلك؟ وكان يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان عليا وولديه على هدى. وقد كان في الصحابة من يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي، ومن يرتد عن الإسلام كطليحة بن خويلد، وإنما هذا الحديث من موضوعات متعصبة الأموية، فإن لهم من ينصرهم بلسانه، وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٤٤