ثم إن المعتزلة فيما بينهم تنازعوا تنازعا شديدا في أفضلية أبي بكر أو علي، ونسوق هنا مثلا لما كان بينهم من جدل، وذلك هو الجدل بين الجاحظ والإسكافي، وكلاهما معتزلي.
يقول الجاحظ في كتابه المشهور بكتاب «العثمانية»: إن أبا بكر أسلم وهو ابن أربعين سنة، وعليا أسلم ولم يبلغ الحلم، فكان إسلام أبي بكر أفضل، وهو أول من أسلم على أصح الروايات، وعلي أسلم وهو حدث غرير، وطفل صغير، فلم نستطع أن نلحق إسلامه بإسلام البالغين؛ لأن المقلل قال: إن عليا أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين. وأيا كان فإسلام الكبير الناضج الذي يفقه معنى الإسلام خير من إسلام الصبي.
وقد رد عليه الإسكافي في ذلك بأنه لم يكن طفلا يوم أسلم، ودعوى أنه أسلم وهو طفل دعوى غير مقبولة، والإسلام والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية إنما تقع على البالغين دون الأطفال، بدليل عرض النبي - عليه السلام - وهو لا يعرضه على صبي.
وقال الجاحظ: لو أن عليا كان بالغا حين أسلم، لكان إسلام أبي بكر أفضل؛ لأن إسلام المتقدم في السن الذي يعاني مئونة الروية، واضطراب النفس، ومشقة الانتقال من دين قد طال الفهم له، خير من إسلام من نشأ في بيئة إسلامية، ولم يعان مثل ما عانى أبو بكر.
قال الإسكافي: إن عليا لم يولد في دار الإسلام، ولا غذي في حجر الإيمان، وإنما استضافه رسول الله إلى نفسه سنة القحط، والمجاعة، وعمره يومئذ ثمان سنين، فمكث معه سبع سنين حتى أتى النبي الوحي، وهو بالغ، كامل العقل، فأسلم بعد مشاهدة المعجزة، وبعد إعمال النظر والفكر، فإن كان علي أجابه فإنما أجابه عن نظر، ورؤية معجزة. وقد كان أبو بكر قبل إسلامه رئيسا معروفا، يجتمع إليه كثير من أهل مكة، فينشدون الأشعار، ويتذاكرون الأخبار، وقد سافر إلى البلدان، ووصلت إليه الأخبار، وعرف دعوى الكهنة، وحيل السحرة، ومن كان كذلك كان انكشاف الأمور له أظهر، والإسلام عليه أسهل، والخواطر على قلبه أقل. وكل ذلك عون لأبي بكر على الإسلام، ولذلك لما قال النبي: أتيت بيت المقدس، سأله أبو بكر عن المسجد، ومواضعه؛ فصدقه، وبان له أمره، وخفت مئونته.
أما علي فقد خلي وعقله، وألجئ إلى نظره مع صغر سنه، واعتلاج الخواطر على قلبه، والغالب على أمثاله وأقرانه حب اللعب واللهو، فآمن بما ظهر له من دلائل الدعوة، ولم يتأخر إسلامه، فقهر شهوته، وغالب خواطره. وخرج من عادته، وعظم استنباطه، ورجح فضله، ولم يأخذ من الدنيا بنصيب، ولا تنعم فيها بنعيم، وحمى نفسه عن الهوى، وكسر شرة حداثته بالتقوى.
واحتج الجاحظ بأنه كان لعلي ظهر يحميه كأبي طالب وبني هاشم، ولم يكن لأبي بكر شيء من ذلك. ورد الإسكافي بأنه لو كان ذلك صحيحا لأضعف ذلك من نبوة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أبا طالب ظهره، وبني هاشم ردؤه.
قال الجاحظ: ولأبي بكر فضيلة في إسلامه: أنه كان قبل إسلامه كثير الصديق، عريض الجاه، ذا يسار وغنى، يعظم لماله، ويستفاد من رأيه، فخرج من عز الغنى، وكثرة الصديق إلى ذل الفاقة، وعجز الوحدة. وهذا غير إسلام من لا عز له، ولا جاه له. وزد عليه أن علي بن أبي طالب إن لم يكن قد شهره سنه، فقد شهره نسبه، وموضعه من بين هاشم، فليس تيم في بعد الصيت كهاشم، ولا أبو قحافة كأبي طالب.
قال أصحاب علي: إنكم تثبتون لأبي بكر فضيلة صحبة الرسول
صلى الله عليه وسلم
من مكة إلى يثرب، ودخوله معه في الغار، وقلتم: إنه كان شريكه في الهجرة، وأنيسه في الوحشة، فأين هذه من صحبة علي - عليه السلام - له في خلوته، وحيث لا يجد أنيسا غيره في ليله ونهاره أيام مقامه بمكة يعبد الله معه سرا، ويتكلف له الحاجة جهرا، ويخدمه كالعبد يخدم مولاه، ويشفق عليه ويحوطه. ولئن صحب أبو بكر رسول الله في رحلته، فإن عليا نام موضع رسول الله حين أراد الهجرة، ولولا أن رسول الله