تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى جانب ذلك نراهم تعرضوا لمسائل تكاد تكون سوفسطائية مثل: الإله قادر على الظلم أو لا؟ هل الجنة موجودة اليوم أو لا؟ هل قدرة الله تتعلق بالمحال؟ هل الكافر قادر على الإيمان، والمؤمن قادر على الكفر؟ إلى كثير من أمثال ذلك. وكان من قولهم، وقول خصومهم أن تكون علم الكلام؛ فعلم الكلام وليد أقوال المعتزلة وخصومهم، حتى أهل السنة وأئمتهم كأبي الحسن الأشعري ما كانوا يبحثون مسائلهم لولا أبحاث المعتزلة، كما سنبين ذلك في الكلام على أبي الحسن الأشعري.

والظاهر أن هذه الحركة الكلامية كانت في منتهى النشاط في الدوائر العلمية، كما نرى ذلك في حركة خلق القرآن، وفي المناظرات في مجالس الخلفاء، وفي المساجد، وفي الشوارع، وفي الجنائز، وكانت كل هذه الأشياء تأخذ من أزمانهم وعقولهم الوقت الطويل، والمجهود الكبير، فلما جاء المتوكل، واضطهد المعتزلة، وأزال دعوتهم، خفت صوت علم الكلام بعض الشيء، ومن كان معتزليا رجع عن اعتزاله أحيانا، وتستر أحيانا، إلا من كان جريئا لا يتصل بالدولة من قريب أو من بعيد، أو كان في حمى دولة تكره الاعتزال، كما سنبينه بعد. (4) في المسائل السياسية

وأما المجموعة الرابعة، وهي المسائل السياسية؛ فقد تعرضوا للإمامة، ومن هو أحق بها، وتعرضوا للأحداث السياسية كواقعة الجمل، ومقتل عثمان، والخلاف بين علي ومعاوية، وشرحوها كلها تشريحا دقيقا. وكان المعتزلة مختلفين في ذلك، فمنهم من قال بأفضلية علي، واستحقاقه الخلافة لمجموع صفات فيه، ولكنهم قالوا ذلك باعتدال؛ فعرفوا لأبي بكر وعمر مزاياهما، وقالوا بصحة خلافتهما، وإن كان الأولى غير ذلك، فكانوا بذلك قريبين من الشيعة، بعيدين عن الروافض، وهم الذين رفضوا القول بإمامة أبي بكر وعمر، وتبرءوا منهما، ومن أجل ذلك نرى بعض الناس شيعيا معتزليا معا، وبعض المعتزلة قال بغير ذلك؛ فكان معتزليا لا شيعيا. ونحن ننقل الآن بعض أقوالهم الدالة على مذاهبهم. (4-1) في الإمامة

لقد بحثوا في الإمامة، ومعنى الإمامة: الولاية على المسلمين، والمعتزلة يوافقون المتكلمين الآخرين، ما عدا أتباع نجدة من الخوارج، إذ يقول المعتزلة وغيرهم بوجوب انقياد الأمة لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، بدليل قوله تعالى:

وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء: 59) ولأن من طبيعة الناس أن، يزعهم السطان أكثر مما يزعهم القرآن، فلا بد من وال تسند إليه الأحكام في الأموال، والزواج، والطلاق، ومنع الظالم، وإنصاف المظلوم ... إلخ، وخير أن يكون الإمام واحدا حتى لا يتنازعا، ولا بد أن يكون فاضلا، عالما، حسن السياسة، قادرا على التنفيذ. وبعد ذلك اختلف المعتزلة فيما بينهم، فقال بعضهم بتفضيل أبي بكر وعمر على علي، وخالفوا بذلك الشيعة، وقال بعضهم بأفضلية علي؛ فوافقوا بذلك الشيعة. فقدماء المعتزلة من البصريين كعمرو بن عبيد، وإبراهيم النظام، والجاحظ، وثمامة بن الأشرس، قالوا: إن أبا بكر أفضل من علي، وجعلوا ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وقال البغداديون من المعتزلة كبشر بن المعتمر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم البلخي، والجبائي: إن عليا أفضل من أبي بكر، فكانوا في ذلك كالشيعة. ولكن سواء منهم من قدم أبا بكر، أو قدم عليا، فقد كانوا معتدلين في حكمهم إذ يقولون: سواء كان أبو بكر أفضل، أو علي أفضل، فالبيعة لأبي بكر وعمر كانت بيعة صحيحة، قالوا: ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان، أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة، فيجعل السلطان الأنقص علما منهما قاضيا؛ فيتألم الأعظم، وينفث أحيانا بالشكوى، فلا يكون ذلك طعنا في القاضي الثاني، ولا حكما بأنه غير صالح، وهذا أمر مركوز في طبائع البشر، ومجبول في أصل الغريزة والفطرة، فأصحابنا لما أحسنوا الظن بالصحابة، وحملوا ما وقع منهم على وجه الصواب، وأنهم نظروا إلى مصلحة الإسلام، وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر فعقدوا له، كان ذلك عقدا صحيحا، وقالوا: إنه كان يجب على علي أن يعذر الصحابة الذين بايعوا أبا بكر في العدول عنه، ويعلم أن عقدهم لغيره هو المصلحة للإسلام، فلا يشكوا منهم، ولا يتوجد عليهم.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٤٢