تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكموا العقل حتى في الحديث، فهم لقولهم بسلطان العقل كانوا يعرضون الحديث على العقل، فما قبله العقل قبلوه، وما لم يقبله لم يقبلوه، وربما كان أصرحهم في ذلك النظام، فقد حكى الجاحظ

3

مثلا عنه ما معناه: أنه لما روي له حديث أن النبي

صلى الله عليه وسلم

أمر بقتل الكلاب، واستحياء السنانير، والحديث عن السنانير: «أنهن من الطوافات عليكم»، لم يؤمن بهذا الحديث، وقال: إن السنور ليس له كبير نفع، وإنه كثير الأذى، وإن الكلب أنفع منه، فليس الحديث صحيحا، أما إن كان الحديث يقبله العقل، فالنظام يقبله، فإن عارضه العقل، ولم يجد له تأويلا، ولا سببا فإنه لا يقبله كما يستخلص من كلام ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث». وكل هذه الفروع مبنية على أساس القول بسلطان العقل، ولهذا أباحوا لأنفسهم أن يفسروا القرآن بالعقل؛ اعتمادا على معرفتهم باللغة، وأساليب القرآن وروحه، كما فعل الزمخشري في الكشاف، أما غير المعتزلة فأكثر اعتمادهم في التفسير على المنقول من الرواية.

حتى في باب اللغة والنحو كانوا يميلون إلى العقل، فزعيم القائلين بالقياس، واستعمال ما لم يرو العرب قياسا على ما رواه - وذلك من غير شك يحتاج إلى قوة عقلية لا مجرد رواية - هو أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، وهما من المعتزلة. (3) في الطبيعيات

أما آراؤهم في الأبحاث الطبيعية، فمثل أقوالهم في الروائح، والطعوم، والضوء؛ فقد أثار النظام أسئلة، وعرض آراء في ذلك: هل المشمومات، والطعوم، والأضواء أجسام أو أعراض؟ وهو يقول: إنها أجسام لا أعراض، بمعنى: أننا نشم الوردة لانبعاث ذرات صغيرة منها تلامس غدد الأنف؛ فيحدث الشم. وفي الطعوم كالسكر والملح تذوب ذرات منها، وتتصل بغدد الذوق؛ فيحصل الذوق بالحلاوة، أو الملوحة. وكذلك قال في الضوء، أي أن الشيء المرئي تنبعث منه ذرات تأتي إلى العين فتدرك بياض الشيء أو سواده، وهكذا.

والإنسان يعجب أولا من سعة عقلهم في التفكير، وثانيا من دخول هذه المباحث في علم الكلام. وقد أقر العلم الحديث نظرية النظام هذه في المشمومات؛ فهو يقول: إننا نشم رائحة الوردة الجميلة بناء على ذرات انبعثت من الورد، فلامست الخيشوم، وإنا إنما نتذوق حلاوة الشيء، أو مرارته بناء على ذوبان ذرات تلامس غدد الذوق، فإذا لم تتحلل الذرات كالحصى أو الماس مثلا لم ندرك لها ذوقا.

أما العلم الحديث، فيخالف النظام في نظريته في الضوء، فليست تنبعث ذرات إلى العين - كما يقول - فيدرك بياض الشيء أو سواده، ولكن علة رؤية اللون أبيض أو أزرق هي أن كل لون يتشرب ألوان الطيف ما عدا اللون الذي يرى، فالأحمر مثلا يتشرب ألوان الطيف كلها ما عدا الحمرة، فتصل إلى العين عن طريق الموجات. فترى هذه المسائل الطبيعية أو الفيزيقية، كالبحث في الطعوم، والروائح، والألوان، ما دخلها في الدين، وعلم الكلام؟ والظاهر لنا أن الذي ألجأ إليها المناقشات الدينية، فمثلا: لما تعرضوا لخلق الأفعال تساءلوا: هل خلق الله الجسم والعرض، أو خلق الجسم، وليس العرض إلا صفة من صفاته؟ فجرهم ذلك إلى البحث في الروائح مثلا، هل هي أجسام، أو هي أعراض تابعة للأجسام؟ فلم يتكلموا فيها كما يتكلم علماء الطبيعة اليوم، إنما تكلموا فيها لأنها متصلة بعقيدة من العقائد الدينية من قريب أو من بعيد، وهكذا شأنهم في كل ما تكلموا فيه من أمور الطبيعة حسب ما نعتقد.

والواقع أن المعتزلة في علم الكلام لم يكن موقفهم كموقف من يؤلف كتابا فيختار مناهجه، ويرتب أبوابه، إنما كانوا يتكلمون في المسائل حسب ما تقتضيه الأحوال من مهاجمتهم لخصومهم، أو مهاجمة خصومهم لهم، أو نحو ذلك، كالجيش في القتال، قد يضطر إلى عمل لم يكن رسم خطته من قبل، ولكن اضطره إليه حركة من حركات خصومه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٤١