من يضلل الله فلا هادي له (الأعراف: 186)، وقال:
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء (الأنعام: 125) فأخبر بذلك أن الذين هداهم الله غير الذين أضلهم، ووفق خصومهم بين آيات القرآن، فقالوا: إنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس كلهم السبيل، ثم هم بعد ذلك إما شاكرون وإما كافرون.
وفي آيات أخرى أنه هدى قوما، فلم يهتدوا، ولم يهد آخرين فضلوا، فالتوفيق بين الآيات يوجب أن الهدى نوعان: نوع أعطاه الله جميع الناس، وهو إنارة السبيل أمامهم، وهذا الهدى هو الذي استعمله في آية ثمود، أي أنه دلهم على الطاعات والمعاصي، وعرفهم ما يسخطه، وما يرضيه.
وهدى آخر بمعنى التوفيق، والعون على الخير، والتيسير له، وهذا الهدى هو الذي منحه الله للمهتدين، ومنعه الكفار.
والذي دعا المعتزلة إلى هذا: قولهم الأساسي بخلق الإنسان أفعال نفسه، وأن الله لم يحمل المؤمن على الإيمان، ولا الكافر على الكفر، بل هو فعل ذلك باختياره، ولذلك كان هناك معنى للثواب والعقاب.
وهكذا أثاروا مسائل كثيرة من هذا القبيل. (2) في الأصوليات
ومن أهم مبادئهم الدعوة إلى سلطان العقل، فهم يقدسونه تقديسا عظيما؛ ولذلك مظاهر كبيرة في تعاليمهم، من ذلك: (أ)
كثير منهم حصروا المعجزات في دائرة ضيقة، فالنظام مثلا يكاد يقصر القول بالمعجزات على القرآن، وينكر انشقاق القمر، ويقول: إنه لو كان صحيحا لكان شيئا عاما يشهده كل الناس المعاصرين له، ويخالف رواية ابن مسعود في ذلك، كما ينكر نبع الماء من بين أصابع النبي
صلى الله عليه وسلم . (ب)
ينكر كرامة الأولياء، وينكر الحكايات الواردة في ذلك؛ لأنه يرى أن هناك قانونا طبيعيا كتب الله على نفسه اتباعه إلا عند ضرورة المعجزات. قالوا: فلا نؤمن بتغير القوانين الطبيعية إلا بالبرهان القاطع. (ج)
أنكر المعتزلة رؤية الجن كما يروي العامة، بل كانوا يؤنبون من اعتقد بها، أو اعتقد رؤيتها، أو حكى مشاهدة أعمالها. (د)
فسروا السحر بأنه لعب الساحر بعين المسحور أو بخياله؛ فالساحر لا يقلب حقائق الأشياء بدليل قوله تعالى:
سحروا أعين الناس واسترهبوهم (الأعراف: 116) فليس للساحر قدرة على قلب الحقائق، وإنما له قدرة على قلب أوهام الرائي. (ه)
أثاروا مسألة على جانب كبير من الأهمية من هذا الباب أيضا، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وملخصها أنهم تساءلوا: هل العقل قادر وحده على أن يعرف أن الشيء حسن أو قبيح؟ فقالوا هم بذلك، أي أن العقل يمكنه وحده أن يدرك حسن الشيء أو قبحه، وأن يرى أن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر المنعم، والصدق حسنة بطبعها، وأضدادها قبيحة. قالوا: نعم، إن هناك أشياء لا يدرك حسنها إلا بالشرع، كالصلاة في أوقاتها، وعدد ركعاتها، والمسح على الخفين، ونحو ذلك، أما أصول المسائل، كالصدق، والكذب، والعدل، والظلم، ونحوها، فيمكن إدراكها بالعقل.
أما مخالفوهم فقالوا: إذا لم يرد شرع فلا يتميز فعل عن فعل، ولا يمكن أن يعرف أحسن هو أم قبيح.
واحتج المعتزلة بأن الناس كلهم ... متدينين وغير متدينين ... متفقون على أشياء أنها حسنة، وأشياء أنها قبيحة. وقالوا: إن من استوى عنده أن يصدق ويكذب فضل الصدق إن كان فاضلا، وأن الرجل الغني الوجيه الذي ليس له رغبة في مال، ولا جاه لو رأى مشرفا على الهلاك أنقذه، ولو لم يعتنق دينا، إلى غير ذلك من البراهين.
وبناء على ذلك تساءلوا: هل الجاهليون قبل الإسلام مسئولون عن أعمالهم التي يدركها العقل، كالصدق، والكذب، والقتل، والعدل، أو غير مسئولين ...؟ فمن قال: إن العقل يدرك ذلك كله، ولو لم يرد فيه شرع جعلهم مسئولين، ومن لم يقل بذلك جعلهم غير مسئولين ... ومن ذلك اختلافهم أيضا في شكر المنعم: هل هو واجب عقلا أو شرعا؟؟ فالمعتزلة قالوا: إنه يجب شكر المنعم عقلا، والذين يقولون بالتحسين والتقبيح الشرعيين فقط أنكروا وجوب شكر المنعم عقلا. (و)