تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي أصول احتجاجات الطرفين، وكانت النتيجة أن كل من أدلى من أحد الفريقين بحجة رد الآخر عليه بما ينقضها، ولهذا تعددت الأقوال والبراهين والردود إلى ما لا نهاية لها مما لا يخرج عن هذا.

وفي الحقيقة أن في القرآن لمحة من هذا، ولمحة من ذلك، فلما جاء المفسرون انقسموا هذين القسمين، فمن اعتقد أن أفعال العباد منسوبة إلى الله أول ما ورد مما يفيد غير ذلك من الآيات، والعكس، ولهذا كانت تفاسير أهل السنة تخالف تفاسير المعتزلة.

وكل من الطائفتين يحذر الآخر من اتجاهاته، فمثلا: قال الله تعالى:

سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (البقرة: 6)، وقال:

ختم الله على قلوبهم (البقرة: 7)، أي لا يؤمنون لأجل الختم، أي أن سبب امتناعهم عن الإيمان هو ختم الله على قلوبهم.

وظاهر الآية يدل على أنهم ليسوا مختارين، ولو كانوا مختارين لآمنوا، فأول المعتزلة الآية، وقالوا: منعهم الله الإخلاص الموجب لقبول العمل، فكانوا كمن يمنع دخول الإيمان قلبه بالختم عليه. وهكذا تجد في تفسير الزمخشري كثيرا من هذه التأويلات.

ولما حار الأشاعرة بين هذه الأدلة قالوا: ب «الكسب»، أي أن الله تعالى يخلق أعمال العبد، وليس للإنسان فيها إلا الكسب.

فقال لهم المعتزلة: ما هذا الكسب؟ أهو عمل من أعمال الإنسان؛ فيكون الله خلقه أيضا، أو هو ليس عملا من أعمال الإنسان فلا حاجة إليه؟!

وقد أثارت مسألة أفعال العباد مسائل كثيرة تولدت عنها، فكانت موضع بحث بينهم، فمثلا: هناك مسألة التولد؛ ومعنى التولد: نشوء عمل من عمل، مثل: أن يضرب رجل آخر، فيتولد من الضرب الموت، أو يتولد منه الألم، أو يخلط شخص طعاما بطعام، فيتولد منهما طعام سام مميت.

فلما قال أهل السنة بأن كل أفعال العبد من خلق الله لم يكونوا بحاجة إلى القول بالتولد؛ فالكل من فعل الله. ولما قالت المعتزلة: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ويسأل عنها ويحاسب عليها قالوا بالتولد، وأن الإنسان مسئول عما تولد من عمله.

ومن البحوث التي ترتبت حول هذه المسألة أيضا البحث في الاستطاعة ما هي؟ وهل تكون قبل الفعل، أو مع الفعل، أو قبله ومعه؟

ففرق المعتزلة بين الاستطاعة والمستطيع، إلا أن منهم من أخطأ فجعلهما شيئا واحدا، ولما قالوا: إن أعمال الإنسان من صنعه، قالوا الاستطاعة فعل الله - عز وجل - وأن أحدا لا يفعل خيرا ولا شرا إلا بقوة أعطاه الله إياها.

وقال جمهور المعتزلة أيضا: إن الاستطاعة هي سلامة الجوارح، وارتفاع الموانع، وأنهما معا يكونان قبل الفعل، كما لا بد أن يكونا مع الفعل. وما لم توجد صحة الجوارح وارتفاع الموانع لا يوجد الفعل، ولا يكون المرء مخاطبا مكلفا مأمورا منهيا.

وساقهم البحث إلى التساؤل عن الكافر المأمور بالإيمان، أهو مأمور بما لا يستطيع أم بما يستطيع؟ كما بحثوا فيما ورد في القرآن كثيرا من الهدى والضلال، فلما قالوا: بأن العبد يخلق أفعال نفسه، قالوا: إن معنى الهدى ليس إلا إنارة الطريق أمام العبد، وليس من مستلزمات إنارة الطريق أن يسير الإنسان فيه، فقد يستنير الطريق أمامه، ولكنه يمشي في الظلام، بدليل قوله تعالى:

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (فصلت: 17)، وقوله سبحانه:

إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (الإنسان: 2-3)، فهذا دليل على أن الهداية لا توجب أن يسير الشخص في الطريق المستقيم.

وقال خصومهم: إن من هداه الله اهتدى، ومن أضله ضل، بدليل قوله تعالى:

ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ،فهذا دليل على أن الذين هداهم الله بعض الناس لا كلهم، وهم الذين ساروا في الطريق المستقيم، وقال تعالى:

إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل (النحل: 37)، وقال تعالى:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٣٩