وهكذا سار على هذا النمط، وقد انتفع بالكتاب كثيرا البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق»، والشهرستاني في «الملل والنحل»، وغير ذلك من الكتب، فنسبوا للمعتزلة ما قاله ابن الراوندي، وشنعوا على المعتزلة من غير تحقيق.
ثم إن كل إمام كبير من أئمة المعتزلة كانت له أقوال في مسائل خاصة غير أصول الاعتزال، وتبعه عليها بعض تلاميذه، فانقسم المعتزلة إلى فرق، أو إلى مدارس؛ نسبة إلى رئيسهم، مثل: الواصلية نسبة إلى واصل بن عطاء، والهذيلية نسبة إلى أبي الهذيل العلاف، والنظامية نسبة إلى إبراهيم بن سيار النظام، والجاحظية نسبة إلى الجاحظ، والخياطية، والكعبية، والجبائية ... إلخ.
ونحن نورد أمثلة مما كانوا يتباحثون فيه وفقا للمجموعات الأربع التي ذكرناها من قبل؛ إذ حصرنا أقوالهم تقريبا في الإلهيات، والطبيعيات، والفقه، والأصول، والحديث، وتشريح أعمال الصحابة، ومن هو أحق بالإمامة. (1) في الإلهيات
بحثوا كثيرا في أفعال العباد، فقال أهل السنة: إن أفعال العباد مخلوقة خلقها الله في الفاعلين لها، أما أكثر المعتزلة فقد قالوا: إن أفعال العباد محدثة، خلقها فاعلوها، ولم يخلقها الله.
وقال الجاحظ من المعتزلة: «إن أفعال العباد تنسب إلى العباد مجازا، وإنما هي أفعال الطبيعة تظهر فيهم، إلا الإرادة فإنها فعل الإنسان، ونظير ذلك فعل النار للإحراق، وفعل الثلج للتبريد، وفعل المسهل للإسهال.» وكأنه يريد أن أفعال الإنسان كما يقول بعض الفلاسفة في عصرنا نتيجة حتمية طبيعية للبيئة والوراثة، وأن الإنسان لا يمكنه أن يفعل غير ما فعل، فمن كان في وسط مهذب متعلم صدرت عنه أفعال خاصة غير التي تصدر في بيئة أخرى وهكذا.
وإنما استثنى الجاحظ الإرادة؛ لأنها - على ما أظن - هي الصفة الخادعة؛ إذ يظن الإنسان أنه يريد ما يفعل خداعا، مع أنه يفعل ما يراد منه ليس إلا.
ودار الجدل كثيرا حول هذه المسألة، وكل يستدل على ما يقول، فأما من قال: إن أفعال العباد هي أفعال الله، فاستدل بنصوص القرآن، وببراهين عقلية؛ فمن النصوص قول الله - عز وجل - في القرآن:
هل من خالق غير الله (فاطر: 3)، وقوله:
والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (النحل: 20)
ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (الفرقان: 3)، وقوله:
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (النحل: 17)، وقوله تعالى:
هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه (لقمان: 11) ومعنى هذا أن الله خلق كل ما في العالم، وأن من، دونه لا يخلق شيئا، فلو كان الله خالقا لبعض الأشياء، والناس خالقين لبعضها لكانوا شركاء في الخلق، فنتج من ذلك أنه لا يخلق شيئا غير الله. وقال تعالى:
والله خلقكم وما تعملون (الصافات: 96). ومما استدلوا به أن كل المسلمين يعتقدون أن الله تعالى إله العالم، ورب كل شيء، ومن المحال أن يكون الله إلها لما لم يخلق.
أما المعتزلة فقد استدلوا بقوله تعالى:
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا (البقرة: 79)، وقوله:
لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله (آل عمران: 78)، وقوله:
فتبارك الله أحسن الخالقين (المؤمنون: 14)، مما يدل على أن هناك خالقا غيره، كالإنسان يخلق أفعال نفسه، وقوله مخاطبا للكافرين:
وتخلقون إفكا (العنكبوت: 17)، واستدلوا ببعض الحجج العقلية أيضا.
وقالوا: لو كان الله خالق أعمال العباد لاقتضى ذلك أنه يغضب مما خلق ويكرهه، ولا يرضى ما فعل وما دبر.
وقالوا: إن كل من فعل شيئا فهو مسمى به، ومنسوب إليه، فلو خلق الله الخطأ والكذب والظلم والكفر، لنسب كل ذلك إليه، تعالى الله عن ذلك.
ومن حججهم أيضا: أنه إذا كانت أفعال العباد لله، فهذه الأعمال تنقسم قسمين: أعمال صالحة، وأعمال سيئة، ولا معنى للإثابة والعقاب ما دام العبد لم يفعلها، وإنما فعلها الله، فإذا أثابنا فقد أثابنا على ما فعل، وإن عذبنا فقد عذبنا على ما فعل، وهذا لا يستقيم في العقل.