تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أشهر هذه الطبقة من المعتزلة أبو مجالد، وقد وصفه ابن الخياط بأنه: «رجل جمع العلم بالحديث، والفقه، والكلام، وتفسير القرآن مع حسن بيان، وفصاحة لسان، وإظهار للحق، والدعاء إليه، والقصص به أيام حياته، والصبر على الأذى في الله، حتى لحق به، رحمه الله ...»، ثم قال: «وما رأيت أحدا قط كان أغلظ على من صدق بالنجوم منه.»

ثم جاء بعدهم الطبقة الثامنة، وهم الذين كانوا في عصرنا الذي نؤرخه، وأعني بهم من مات في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، أو القرن الرابع، وكان منهم أبو علي الجبائي المتوفى سنة 303ه، وأبو القاسم عبد الله البلخي الكعبي المتوفى سنة 319ه، وأبو مضر بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي دؤاد، فهؤلاء كلهم زادوا في مسائل الاعتزال، وردوا على مخالفيهم.

وحدث حادث جدير بالنظر، وهو أن المعتزلة لما ذهبت دولتهم على يد المتوكل تنمر الناس لهم، ونالوا منهم، فنصب الجاحظ نفسه للدفاع عنهم، وألف كتابا سماه «فضائل المعتزلة»، ولم يكن الكتاب كله في بيان الفضائل، بل تعرض لمسائل أخرى، كالرد على ألد خصومهم، وهم «الرافضة»، ولكن حدث أن جاء رجل اسمه «ابن الراوندي»، تثقف على يد المعتزلة حتى مهر في الاعتزال، ولكن خرج على المعتزلة في بعض تعاليمهم الأساسية؛ فطردوه من زمرتهم، وكان فقيرا بائسا يحقد على الجاهل غناه مع بؤس أمثاله من العلماء، ويقول:

كما عاقل أعيت مذاهبه

وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة

وصير العالم النحرير زنديقا

فلما طرده المعتزلة، وتنكروا له، ورأى أن الدولة ليست لهم، بل هي عليهم، تنكر هو أيضا؛ فوضع ثقافته، وبلاغته في يد خصومهم يؤلف لهم، فألف لليهود ضد المسلمين، وألف للرافضة ضد المعتزلة، وكان مما ألفه ابن الراوندي هذا كتاب «فضائح المعتزلة»، شنع عليهم فيها تشنيعا كبيرا، ونسب إليهم أحيانا ما لم يقولوه.

وابن الراوندي هذا فارسي، من نواحي أصبهان، سكن بغداد، وعرف بمذهب الاعتزال، ثم اتهم بالإلحاد والزندقة، وعرف بالحذق، ومعرفة دقائق علم الكلام وجليله، وألف كتبا كثيرة، ككتاب «التاج»، يحتج فيه على قدم العالم، وكتاب «الزمردة»، يحتج فيه على بطلان الرسالة. ونسبوا إليه أنه قال: «إنا نجد في كلام أكثم بن صيفي شيئا أحسن من:

إنا أعطيناك الكوثر (الكوثر: 1).

ومما قاله استهزاء بوصف الجنة عند سماعه أن فيها أنهارا من لبن: «أنه لا يكاد يشتهيه إلا الجائع»، وقال: «من تخيل أنه في الجنة يلبس الإستبرق، ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط.»

ونخشى أن تكون هذه الأشياء مما وضعها عليه خصومه من المعتزلة لما خرج عليهم. فانبرى أبو الحسين بن الخياط المعتزلي فألف كتابا في الرد عليه سماه «الانتصار»، ومعنى الانتصار: الانتصار للمعتزلة ضد ابن الراوندي، ومن حسن الحظ أن الكتاب بقي لنا إلى اليوم، وقد نهج في هذا الكتاب منهجا يحكي فيه قول ابن الراوندي، ثم يعقب قوله بالنقض له، فمثلا يقول ابن الراوندي: «إن الرافضة لو نظرت في الكلام - يقصد علم الكلام - لوجدت في مقالات المعتزلة من فاحش الخطأ، وعظيم الكفر ما يربي قليله على عظيم كفر اليهود والنصارى.» فرد عليه ابن الخياط يقول: «أما جملة قول المعتزلة الذي يشتمل على جماعتها فليس يمكنك عيبه، ولا الطعن عليه؛ لأن الأمة بأسرها تصدق المعتزلة في أصولها التي تعتقدها، وتدين بها، وهو أن الله واحد ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأقطار، وأنه لا يحول ولا يزول، ولا يتغير ولا ينتقل، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنه في السماء إله، وفي الأرض إله، وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد،

ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم (المجادلة: 7) لعباده، وأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يريد ظلما للعالمين؛ وأن خير الخلق أطوعهم له، وأنه الصادق في أخباره، الموفي بوعده ووعيده، وأن الجنة دار المتقين، والنار دار الفاسقين، وهذه الأقاويل الأمة مجمعة عليها، ومصدقة قول المعتزلة فيها.»

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٣٧