وأرادت الدولة الأموية أن تعطيهما مالا كثيرا لقاء سكوتهما عنها فأبيا، وألحا في طلب العدل، وكانا من أول الخارجين عليها، وتكوين الجيوش ضدها في الحركة التي انتهت بسقوط الدولة الأموية، كما يؤخذ من كتب التاريخ، ولكنهما - كما يظهر - لم يكونا على علم كبير بالحديث، وإنما كانا عقليين في تفكيرهما، فهاجمهما رجال الحديث، وشوهوا سمعتهما، ومن سوء الحظ أنهما قتلا في عهد مروان بن محمد آخر الدولة الأموية.
ثم جاءت الدولة العباسية، وجاء الجهمية بشكل جديد هو المعتزلة، وكانت خلاصة مذهب جهم القول بنفي التشبيه، وتأويل الآيات التي وردت مما تشعر بالتشبيه، كيد الله، ووجهه سبحانه وتعالى.
ومن أقواله أيضا نفي صفات الله كالعلم والقدرة، وقوله: إن صفاته عين ذاته، أي أنه ليس قادرا بقدرة غير ذاته، ولا مريدا بإرادة غير ذاته.
وأرجعوا الصفات كلها إلى ذاته، ورأوا أن ذلك أدل على التنزيه، واقتضاهم ذلك القول بأن الله لا يرى حقيقة في الآخرة، ولا يتكلم حقيقة، وإنما كل هذه مجازات، كما قالوا بخلق القرآن، وذلك أنهم قالوا: إن بعض الآيات والأحاديث إذا أخذت على ظاهرها أفادت التشبيه بصفات المخلوقين وهو مستحيل، والله
ليس كمثله شيء (الشورى: 11).
وهي تعاليم - كما ترى - تطرقت إلى المعتزلة، وتطورت، ودعوا إليها، ومن هذا نرى أن هؤلاء الجهمية وجهة نظر محترمة، ولكنهم لما خرجوا على الأمويين شنع هؤلاء عليهم، ورموهم بأنهم دهريون، مع أن الدهريين هم الملحدون، ولا إلحاد عند الجهميين، وإنما هم طلاب عدل.
ثم لما لم يكونوا من أهل الحديث، ولم يتبعوا بعضه شنع عليهم المحدثون أيضا، وكان ذلك هو الشأن مع المعتزلة ورثة الجهمية.
جاء المعتزلة بعد ذلك، وقالوا بخلاصة ما قال به الجهمية، وانتشرت الفلسفة في العراق؛ فدخل كثير منها في الاعتزال، وكان خصوم المعتزلة من أهل المذاهب، والديانات يجادلونهم في بعض العقائد والآراء، فيرد عليهم المعتزلة، وتكون الردود ضمن الاعتزال.
وعمرو بن عبيد هو الذي صفى مذهب الجهمية، وقوى حججه، وجاء بعده أبو الهذيل العلاف، وكان ذا علم واسع، واطلاع على الفلسفة، فزاد كثيرا في تعاليم المعتزلة، وكان فصيحا بليغا، رد على الدهرية ردودا كثيرة، وتكلم في التوحيد كلاما حسنا، وتكلم في التولد وفي الاستطاعة، وقال: إن الأرض لا تخلو في كل عصر من العصور من أئمة مجتهدين، يعرفون الحق، ويدعون إليه.
وجاء بعده النظام فتناول مسائل كثيرة عدت من مسائل الاعتزال، فرد كثيرا على شبه الملحدين وعلى من يعتقدون بالنور والظلمة ، وتكلم في الجزء الذي لا يتجزأ، وطبائع الأجسام، وفي اتصال الشكل بالشكل، وفي الألوان، والطعوم، والروائح، ونفى قدرة الله على الظلم، وتكلم في إعجاز القرآن، وفي القياس والإجماع، وشرح في جرأة أعمال الصحابة، ونسب إلى بعضهم الخطأ.
وتكلم بصراحة في الفاضل والمفضول، وأيهم أصاب سياسيا، وأيهم أخطأ، وطالب بعرض الأحاديث على العقل، ونفي ما لم يقبله العقل منها، وتوسع في درس طبائع الحيوان، وكان قد تكلم فيها قبله ثمامة بن الأشرس، وبشر بن المعتمر؛ فزاد على قولهما.
وبالجملة فقد أدخل في باب الاعتزال مسائل كثيرة، بعضها سياسي، وبعضها فقهي، وبعضها أصولي، وبعضها طبيعي.
وجاء بعده الجاحظ، وكان لسان المعتزلة في عصره، فرد على المشبهة، وتكلم في إعجاز القرآن، وألف في الاحتجاج للنبوة، ونصرة الرسالة، وفي الطبائع، مع اعتماده على التجارب دون النظريات، وتكلم في الخلود في الآخرة.
وجاء بعده جعفر بن حرب؛
2
فخالف أستاذه أبا الهذيل العلاف في بعض آرائه، وتكلم في علم الله، وفي أحداث التاريخ المتعلقة بالصحابة، كالكلام في عثمان، وطلحة، والزبير، كما عاصره وصاحبه عيسى بن الهيثم الصوفي.