والقسم الرابع: عقلي خلقي، كالبحث في الخير والشر، والاستطاعة والاختيار، والتحسين والتقبيح العقليين ، وإعجاز القرآن، والإجماع والقياس، كل هذا وأمثاله جعل علم الكلام يشتمل على مسائل لا حد لها؛ فإذا أنت قرأت كتابا ك «المواقف»، أو ك «الفرق بين الفرق»، أو ك «الملل والنحل»، رأيت مناحي مختلفة، واتجاهات مختلفة.
ومع كثرتها وتشعبها يمكننا تقسيم الفرق الرئيسية إلى خمسة أقسام: (1)
المعتزلة. (2)
أهل السنة. (3)
الشيعة. (4)
الخوارج. (5)
المرجئة.
وسنفصل الكلام على كل منها، ما عدا الخوارج والمرجئة؛ لأن أصحابها انقرضوا، وماتت مذاهبهم في القرن الرابع الذي نتحدث عنه، وقد كتبنا عن الخوارج والمرجئة في «ضحى الإسلام» بالتفصيل.
| هوامش
| المعتزلة
الفصل الأول
| ظهور المعتزلة
رأينا المعتزلة يكونون جماعة مترابطة تتعاون على الدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه، ومهاجمة من يخالفهم، وهم يتزاوجون فيما بينهم، ويتجاورون في مساكنهم، وإذا ثبت عن أحد منهم أنه خرج عن مبادئهم الأساسية نفوه وطردوه من زمرتهم، كما حدث منهم مع ابن حائط، فقد كان كبيرا من كبراء المعتزلة، وكان من كبار أصحاب النظام، ثم روي عنه أنه يقول بتفضيل المسيح على محمد، ولقد سعت به المعتزلة عند الخليفة الواثق، وأخبرته بإلحاده، فأمر ابن أبي دؤاد أن ينظر في أمره، وأن يقيم حكم الله فيه، فمات في ذلك الوقت، وكذلك فعلت المعتزلة بفضل الحذاء، فقد كان أيضا معتزليا نظاميا، إلى أن صدر منه ما أخذوه عليه؛ فطردته ونفته،
1
وكما فعلت مع ابن الراوندي كما سيجيء.
وكان مبدؤهم أول أمرهم البعد عن السياسة، والتفرغ لعبادتهم ودعوتهم، ولذلك لما انتقد المنصور في حدوث الجور والظلم في الدولة، دعا عمرو بن عبيد المعتزلي وفرقته إلى أن يتعاونوا معه في تدبير الدولة فأبوا، ولكنهم تحولوا عن هذا المبدأ بعد ذلك، وانغمسوا في السياسة، وصاروا وزراء وعمالا، وأطلق المأمون، والمعتصم، والواثق أيديهم في السياسة، فنكلوا بخصومهم، وأذاقوا الناس العذاب إذا هم لم يقولوا بخلق القرآن، وأقاموا في البلاد ضجة ليس لها مثيل من محاكم تقام، ويعرض فيها على العلماء والقضاة القول بخلق القرآن، فمن لم يقل عذب وأهين.
وسمى المؤرخون هذه الفترة بمحنة خلق القرآن، وكانت سطوتهم في ذلك قد بلغت الذروة، فلما بلغوها أخذوا ينحدرون عنها.
وجاء المتوكل فرأى نارا تتقد في كل مكان، وامتحانات ومحاكمات، وضربا ونفيا وتشريدا، والرأي العام ساخط على هذه الحالة، ومن لم يقل بخلق القرآن، وتحمل العذاب عد بطلا؛ فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام، وأن يكسب تأييده، فأبطل القول بخلق القرآن، وأبطل الامتحانات، والمحاكمات، ونصر المحدثين. وعلى الجملة فقد انضم إلى المعسكر الآخر معسكر غير المعتزلة، وأكثر الناس عبيد السلطة، فما إن رأوا تحول السلطة عن المعتزلة حتى هجروهم، وأصبح القول بالاعتزال يحدث في الغالب سرا بعد أن كان جهرا، ويتطلب شجاعة كبيرة، وجرأة شديدة، ولذلك قل عدد المعتزلة، وعدد رؤسائها.
يضاف إلى ذلك أنه وجدت عوامل أخرى تهاجم المعتزلة من فقهاء، ومحدثين، وروافض، ونصارى، ويهود، وتجمع هؤلاء ضدهم، حتى إن بعض من كان معهم خرج عليهم، كما سنرى في الكلام على أبي الحسن الأشعري.
| هوامش
الفصل الثاني
| تطور المعتزلة
وقد تطورت تعاليم المعتزلة على مدى العصور، وعلى يد نوابغ أهل المذهب، فكان كلما أتى نابغة زاد في تعاليمها وعمقها، فمذهب المعتزلة في الحقيقة ورث تعاليمه من جهم؛
1
ولذلك يلقب المعتزلة بالجهمية.
وجهم هذا هو جهم بن صفوان، وقد ظهر بترمذ في آخر الدولة الأموية، ثم انتقل المذهب إلى بلخ، وكان جهم هذا صديقا لمقاتل بن سليمان العمدة المشهور في تفسير القرآن، وكان جهم متصلا اتصالا شديدا أيضا بالحارث بن سريج عظيم الأزد بخراسان، وقد شوهت سمعة الجهم والحارث بن سريج تشويها كبيرا، خصوصا على يد المحدثين، وعلى يد الساسة؛ لأنهما أعلنا الثورة على الدولة الأموية، وطالباها بالعمل بالكتاب والسنة والشورى.