وإذا كنت قد بدأت بالاعتزال في المقدمة؛ فذلك أني أريد أن يكون هذا الجزء مترابطا لا يحتاج قارئه أن يرجع إلى «ضحى الإسلام» لمعرفة تفصيل هذا المذهب ونشأته، وبذلك يكون هذا الكتاب عرضا عاما للعقيدة الدينية في شتى صورها عند المسلمين منذ ظهور الإسلام حتى العصور المتأخرة.
والله أسأل أن يحسن ختامنا مع ختام هذا الجزء على دينه الذي ارتضاه، وأن يعيد إلى المسلمين وحدتهم، ويقرب شقة الخلف بين مذاهبهم، ويرفع من شأنهم، ويجدد مجدهم
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (النحل: 128).
| تمهيد
نضج علم الكلام في العصر العباسي الأول والثاني، وكان الفضل الأكبر في نضوجه للمعتزلة، فإنهم وقفوا أنفسهم موقف الدفاع عن الإسلام، وكان مركزهم في الغالب في العراق، وفي البصرة، أو بغداد، أو الكوفة. وكان العراق محطا للثقافات المختلفة، والديانات المختلفة؛ إذ كان موردا لكثير من الفرس، والهنود، والسريان، والنصارى، واليهود، فكان كثير من أجداد العراقيين أو آبائهم يعتنقون قبل الإسلام ديانات مختلفة، فلما أسلموا كانت آراؤهم ومعتقداتهم عالقة في ذهنهم كلها أو بعضها، ولم يكن الإسلام عند كثير منهم إلا طلاء ظاهرا.
كان ينتشر في فارس والهند مجوس، اعتقدوا بوجود إلهين:
أحدهما:
النور، أو يزدان، وهو مبدأ الخير كله.
والثاني:
الظلمة أو أهرمن، وهو مبدأ الشر كله.
وهما إلهان متماثلان في القوة أزليان متعاندان، أحيانا يغلب النور، وأحيانا تغلب الظلمة.
وقد انقسم هؤلاء إلى فرق كثيرة بحسب تعاليمهم، عدها ابن خلدون ثمانية، فهؤلاء لما انتقلوا إلى بغداد دعوا إلى دياناتهم، إما صراحة، وإما تحت ستار الإسلام . ولذلك نرى خصوصا في العصر العباسي الأول أناسا كثيرين يتهمون بهذه الثنوية،
1
ويحاكمون، وقد يقتلون.
ومثل هؤلاء البراهمة في الهند، وكان عددهم كثيرا، وكان بينهم من يقول بالتناسخ، وهم كذلك متفرعون إلى فروع مختلفة، ويقولون بآلهة متعددة، وعلى رأسهم الإله الكبير «برهم»، وبجانب هؤلاء البوذيون، والكونفوشيوسيون، ولهم تعاليم تغاير ما تقدم.
يضاف إلى ذلك أنه كان ينزح إلى العراق جماعة من النصارى أتوا من الشام وغيرها، وكانت النصرانية قد انقسمت حول طبيعة المسيح: هل هو ذات واحدة، أو له طبيعتان: طبيعة لاهوتية، وطبيعة ناسوتية، أو اتحد فيه اللاهوت والناسوت ... إلخ.
وتعددت المجامع للفصل في هذه الخلافات، كما اختلفت اليهودية إلى مذاهب متعددة.
كل هذه المذاهب صبت في العراق، ودعا إليها الداعون، وتشكلت بأشكال مختلفة، واصطبغ بعضها بصبغة إسلامية. وتقرأ المذاهب المختلفة في ذلك العصر فيأخذك العجب من كثرتها وتنوعها. وكان كثير من أصحاب هذه المذاهب قد تثقفوا بالفلسفة اليونانية، فأخذ كل فريق يستخدم هذه الفلسفة في تدعيم ديانته، فلما جاء المعتزلة يدرون على هذه المذاهب، وينتصرون للإسلام اضطروا أن يتفلسفوا هم أيضا؛ ليتسلحوا بما تسلح بهم خصومهم، ولذلك اتسع علم الكلام اتساعا عجيبا، ومما زاد في سعته أنه شمل أشياء كثيرة لا تتعلق بالعقائد حسب ما كان يظن، بل نرى أنه اشتمل على أربعة أقسام كبار: قسم الإلهيات، مثل: البحث في الله، وذاته، وصفاته، وأفعاله، وأنبيائه، ورسله، ونحو ذلك. وهذا معقول أن يكون في صميم علم الكلام.
أما القسم الثاني فهو في الطبيعة والكيمياء أدخل مثل الجوهر والعرض، والجزء الذي لا يتجزأ، والحركة، والسكون، والكمون، والطفرة، والتداخل، والألوان، والطعوم، والروائح، ونحو ذلك.
والقسم الثالث قسم سياسي محض صبغه علم الكلام صبغة دينية كالكلام في أيهما أفضل وأحق بالخلافة: علي، أم أبو بكر وعمر؟ وكلامهم في العلويين والعباسيين، والفاضل والمفضول، وشروط الإمامة ونحو ذلك.
وهذه كلها أمور سياسية كان يصح أن تبحث على ضوء العقل بعيدة عن الدين.