نعم إن بعض النصارى وقع في مثل هذه المحنة، فالتجأ بعضهم إلى أمراء المسلمين يستعينون بهم ضد أهلهم وذويهم، ولكن ذلك لم يكن بالكثرة ولا بالقسوة التي نشاهدها في العداء بين المسلمين بعضهم وبعض.
قلنا: إن المسلمين منذ الفتح كانوا يحملون أسباب قوتهم وضعفهم، فهم أمجاد أذكياء، شم الأنوف، كرام شجعان ولكنهم فرديون لا اجتماعيون، عنجهيون لا مطيعون، تغلب فيهم الفخفخة وحب اللذائذ، على الجد والصرامة، فلما اختلطت هذه المزايا بتلك المعايب، أنتج هذا الامتزاج حضارة رائعة، وسقوطا شنيعا. وكان سقوط الأندلس أول حادث فشل من نوعه للمسلمين، فبكوا كثيرا ورثوا بلادهم كثيرا، وذلوا كثيرا، واشرأبوا إلى أن يعيدوا مملكتهم إلى حوزتهم طويلا، ولكن هيهات!
لقد كان بكاء أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة بكاء حارا شديدا، وقد صدق إذ قال: «دعوا دما ضيعه أهله».
لقد توقع كثير من العلماء والفقهاء والحكماء هذه النتيجة البائسة ، فكانوا تارة يحاولون أن يوفقوا بين المتخاصمين، وتارة يحاولون أن يستنجدوا بما وراء الأندلس، وتارة بنقل بعض الخارجين من الإسبانيين من الإسبان إلى المغرب اتقاء لشرهم. ولكن ذلك كله لم ينجح؛ لأن عوامل السقوط داخليا وخارجيا كانت أشد من عوامل الالتئام، فسقطت تنعي من بناها، وخلفت ثروة كبيرة ذابت فيما بعد، ولم ينفع البكاء والعويل، إذ ماذا تنفع العواطف أمام السيف والنار.
وسنة الله في خلقه أن الضعيف على أي شكل كان، يذهب هباء أمام القوة كائنة ما كانت، والشاعر العربي كان حكيما إذ يقول:
تعوي الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي صولة المستأسد الضاري
| الجزء الرابع
| مقدمة
| بسم الله الرحمن الرحيم
وعدت عند ظهور الجزء الأول من هذه السلسلة - وهو الخاص بالحياة العقلية في الأندلس من فتح العرب لها إلى خروجهم منها، وتكلمت فيه عن الحركات الدينية، واللغوية، والنحوية، والأدبية، والفلسفية، والتاريخية، والفنية - أن أكتب الجزء الرابع والأخير في المذاهب الدينية وتطورها، وسألت الله أن يعينني عليه كما أعانني على سوابقه، ولم يخيب الله سؤالي؛ إذ انقطعت لكتابته حتى أنجزته، جاريا على النسق عينه الذي نهجته في الجزء الأول والثاني والثالث.
تكلمت في الجزء الأول عن وصف الحياة الاجتماعية في القرن الرابع، إذ لا يمكن فهم الحياة العقلية إلا بفهم بيئتها التي نشأت فيها، والعوامل التي ساعدت عليها، وطبيعة الناس الذين أنتجوها، كما تعرضت لوصف مراكز الحياة العقلية في مصر، والشام، والعراق، وجنوب فارس، وخراسان، وما وراء النهر، والحركات العلمية والأدبية التي ظهرت في كل إقليم، وأشهر رجالها.
وتكلمت في الجزء الثاني عن تاريخ العلوم، والآداب، والفنون في القرن الرابع الهجري، كالتفسير، والحديث، والفقه، والتصوف، واللغة، والأدب، والنحو، والصرف، والبلاغة، والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، والفنون المختلفة.
أما الجزء الثالث، فأفردته للأندلس ليكون وحدة مستقلة بذاته، ولم أكتف في ذلك الجزء بتأريخ القرن الرابع وحده، بل رأيت أن حضارتها وحياتها العقلية تكاد تكون وحدة، ففضلت في شأنها أن أنهج منهجا جديدا، فلا ألتزم القرن الرابع، بل أؤرخ حياتها متسلسلة من وقت فتح المسلمين لها إلى وقت خروجهم منها، أي نحو ثمانية قرون.
وقد رأيت أن أنهج في الجزء الرابع هذا المنهج، فلا أقف عند القرن الرابع، وبخاصة لأن العقائد والمذاهب ليست كالآداب، والعلوم، والفنون سريعة التغير والتطور. وتكلمت عن المذاهب الرئيسية من معتزلة، وأشاعرة، وشيعة، وسنة، ومتصوفة، وقد أفردت للمتصوفة بابا خاصا، مع أنهم ليسوا فرقة إسلامية لاستشهار أمورهم، وقوة أثرهم في العقيدة الإسلامية، وبخاصة بعد القرن الرابع.