ومما استوجب النظر ظهور الموشحات والأزجال في الأندلس، ثم ظهور شعر يشبهه عند الإسبانيين في الشمال، وفي مقاطعة بروفانس في جنوب فرنسا، وسمي هذا النوع عندهم التروبادور. ويمتاز هذا الشعر بأنه شعر عاطفي يوقع على الآلات الموسيقية، ويقصدون به البيوت الأرستقراطية، والبلاط الملوكي. وقد اختلف المستشرقون والباحثون كثيرا في منشأ هذا الشعر: هل هم أخذوه عن مسلمي الأندلس، أم إنه تطور للشعر عندهم تطورا طبيعيا؟ والأرجح عند كثير منهم أنه مأخوذ من مسلمي الأندلس؛ لأن الشبه في الموضوعات واحد، وبعض أوزان هذا الشعر الإفرنجي يساوي أوزان الموشحات والأزجال العربية، مما لم يكن للأوربيين معرفة به من قبل، كما أنهم اختلفوا في اشتقاق الكلمة، فذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ من
trouvere
بمعنى ابتدع، وفي ظني أنه أصله «دور طرب». وإذ كان الإفرنج يقدمون الصفة على الموصوف والمضاف إليه على المضاف قالوا: طرب دور، وسهل تحريفها إلى ترو بادور.
وقد عرف العالم الإسلامي المدارس من قديم، ومنها ما كانت مدارس كبيرة تشبه الجامعات، كالجامع الأزهر والمدرسة النظامية والمستنصرية وغيرها، وقد انتقلت صورة هذه الجامعات إلى الأندلس، ثم رأينا صورها تظهر في أوربا، ويتشابه شكلها جميعا، من طرق تدريس ومنح إجازات وتقسيم العلوم إلى فروع ونحو ذلك، بل أكثر من ذلك كان بعض الجامعات الأوربية يعتني اعتناء كبيرا باللغة العربية ومنتجاتها، ويصرح بعضهم بأن من لم يثقف ثقافة عربية فليس بمثقف. ومن الراجح أن الحديث يكون مقتبسا من القديم حتى تشابهت الصور. غاية الأمر أن ما عرف عن أوربا الحديثة من التنظيم والدقة فيه، وإدخال التحسينات الممكنة، جعل الجامعات الأوربية اليوم هي موضع أنظار الشرقيين، حتى كأنها نبت أيديهم، ومثل ذلك مثل القطن يأخذونه من الشرق خاما، ويردونه نسجا جميلا، كأن لا صلة بينه وبين أصله، وحتى النرد والشطرنج اقتبسهما العرب من الفرس وأدخلوا عليهما التحسينات، ثم انتقلت اللعبتان بما فيهما من تحسين إلى أوربا مع الاحتفاظ ببعض الأسماء العربية، وتوجد مخطوطة لألفونسو الحكيم فيها رسم لعبة شطرنج معقدة، يمارس اللعب عليها بعض المسلمين، ولم تكن اللعبة بحالتها معروفة عند الأوربيين من قبل.
وكما انتفع الأندلسيون بعلوم المشرق ومنتجاته، ونفعوا أوربا بعلومهم ومنتجاتهم، كذلك ردوا الجميل للمشارقة، فكان خير المنتجات الأندلسية شائعا في الشرق، ومصدر علم لهم، فكم انتفع المشارقة بالعقد وظرفه، والمخصص والمحكم ومنهجهما في اللغة، وابن رشد وفلسفته، والموشحات وطرافتها، ما لا يمكن أن يعد ولا يحصى؛ ولذلك قلنا: إن الأندلس بعدما نضجت على يد الشرق ردت للشرق جميله. فلو لم تقم الحضارة الأندلسية بعلومها وفنونها وآدابها ثمانية قرون، تعمل جاهدة في خدمة العلم والأدب لتغير تاريخ العلم الإسلامي.
| هوامش
| خاتمة
فتح العرب الأندلس وظلوا فيها ثمانية قرون، وهم من يوم حلولهم بها قد بذروا بذور قوتهم وضعفهم، فمن يوم أن حلوا فيها ظهرت العصبية اليمنية والمضرية، ووقع النزاع بين الفريقين، حتى جاء عبد الرحمن الداخل، فاتخذت العصبية لونا آخر، فقد تعصب لفريق دون فريق، ووجد في الأندلس من يعمل لحساب الدولة العباسية في بغداد ضد الأمويين في الأندلس، وثارت من أجل ذلك فتن أضعفت خلفاء الأندلس، ثم جاءت الدولة العامرية، فعملت على إسقاط الدولة الأموية، وانقسم مسلمو الأندلس إلى متعصب للأمويين، ومتعصب للعامريين، ثم انفرط عقد الأندلس وحكمها ملوك الطوائف، فكل من كان قادرا قفز إلى بلد وتغلب عليها، وأصبح أميرا.
كل هذا أثر في الأندلس من الداخل وحل عراها، والإسبانيون الذين في شمالي الأندلس لم ينسوا أبدا منذ عهد الفتح أن بينهم وبين المسلمين ثأر، وأنه لا بد أن يتغلبوا عليهم، وكل يدعي أنهم المؤمنون، وأن عدوهم هم الكافرون، وطوبى للمؤمن إذا جاهد ضد الكافر، فكانت الحرب بين الفريقين سلسلة لا تنتهي، وكانت سجالا، يوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء، ونصارى الإسبان يعتمدون من الخارج على كل المسيحيين في أوربا وعلى رأسهم البابا، ومسلمو الأندلس يعتمدون أيضا من الخارج على المرابطين والموحدين في المغرب، بل وعلى صلاح الدين وبايزيد. ولكن كانت نجدة أوربا المسيحية للإسبانيين أشد وأبقى، فما لبثوا أن تغلبوا. وزاد الأمر سوءا أن ولاة المسلمين كانوا ينقسمون على أنفسهم، فوالي قرطبة يعادي والي إشبيلية وهكذا. بل إن بيت الإمارة الواحد كان منشقا على نفسه، بحكم انحلال البيت باختلاف الأمهات بين حرائر وسراري، واختلاف السراري إلى أصول متعددة، فكان من نتيجة ذلك أن البيت إذا انشق التجأ بعض المسلمين إلى أمراء النصارى - كما ذكرنا - يستنجدونهم على عدوهم من أقاربهم، والعدو ينتفع بنصرة هذا على ذاك، أو ذاك على هذا. وفي تاريخ الأندلس أمثلة كثيرة من هذا القبيل.