وقد كانت كل أمة تقدم للآخرين خير ما عندها وأسوأ ما عندها، فقدم العرب مزاياهم، من تسامح وحب للأدب، وحياة فيها مروءة ونبل، كما قدموا أسوأ ما عندهم من عصبية للقبيلة، وحب للظهور والفخفخة، ورغبة في التسري، وغير ذلك. وقدم الإسبان كذلك خير ما عندهم وأسوأ ما عندهم، وكان المتولد من هذا الاختلاط حائزا لصفات خاصة، فهو ذكي متدين متطرف.
من أجل هذا الامتزاج رأينا كما ذكرنا الألفاظ العربية تدخل اللغة الإسبانية والبرتغالية، مثل: الخزانة، الجبة، الدكان، القاضي، البراءة، المخزن، القطران، والطاقة، إلى كثير من أسماء الأشياء.
وكان للأندلسيين تقريبا لغتان: لغة فصحى يتكلم بها المثقفون الأرستقراطيون، ولغة شعبية يتكلم بها الشعب في لهجة خاصة، ولعلها أيضا تكون خاصة بكل مدينة، وهي لغة الشارع والبيوت، ومن أجل ذلك لما اخترعت الموشحات والأزجال نجحت نجاحا باهرا، لأنها وجدت استجابتها من الشعب، إذ رآها أقرب إلى التعبير عما في نفسه، وألطف من اللغة الفصحى وأظرف وأحسن في التوقيع على الآلات الموسيقية، وأنسب للمتجولين الذين ينشدون الأغاني يتكسبون بها. وكما تأثرت اللغة الإسبانية والبرتغالية بالعربية، تأثرت العادات والتقاليد والفنون.
فالموسيقى العربية انتشرت بين سكان الإسبان في الشمال، حتى اسم العود وهو آلة الغناء العربي انتقل أيضا، وحتى «يا ليل يا عين» انتقلت كذلك.
وقد أفسحت الأمم الأوربية صدرها للحضارة العربية والعلم العربي، واستطاعت أن تفرق بين العلم والسياسة، فبينما كانوا يحاربون المسلمين سياسيا، كانوا يفسحون صدروهم للعلماء المسلمين ثقافيا. فالتاريخ يدلنا على أن عددا من حكام قشتالة كانوا يحيطون أنفسهم بعلماء مسلمين، ويستخدمون مهندسين مسلمين، ويستمعون إلى موسيقيين مسلمين. وربما كان إمبراطور الألمان الذي ذكرناه في فلسفة ابن رشد مثالا صالحا على تفرقتهم بين السياسة والعلم. ولولا إلحاح القسس في مصادرة المسلمين والتنكيل بهم، وإجبارهم على التنصر لاستفادوا من المسلمين فوائد أكبر مما استفادوا.
لقد بدأ فرديناند وإيزابلا يعاملان المسلمين معاملة حسنة بعد سقوط البلاد في أيديهما، تبعا لتقاليدهما المتوارثة في التسامح. ولكن بعد سبعة أعوام من سقوط البلاد، وبسبب إلحاح القسس والضغط على المسيحيين في سوء معاملة المسلمين، اضطر فرديناند وإيزابلا أن يهجرا تسامحهما، ويخيرا المسلمين في الأندلس بين التنصر والخروج من البلاد، فآثر نحو نصف مليون مسلم الخروج؛ وبخروجهم انحطت الزراعة والصناعة انحطاطا كبيرا، وكادت الأعمال تقف.
ومرت قرون على الإسبان حتى استطاعوا أن يقوموا بالأعباء التي كان يقوم بها المسلمون. فهل بعد هذا كله يصح أن يقال: إن امتلاك المسلمين للأندلس كان كارثة على إسبانيا؟
لقد رأينا تأثير المسلمين في أوربا، فيترجم ألف ليلة وليلة مرات عديدة، ويتسلى به، ويقتبس منه، وتنقل قصة حي بن يقظان لابن طفيل إلى كثير من اللغات الأوربية، وتكون ذات تأثير على المثقفين من الأوربيين، كتأثير ألف ليلة على الشعب. فهذه أدلة مادية على استفادة أوربا من المسلمين، كما أننا نرى أن الأدب الأوربي ظهرت فيه نزعة جديدة على أثر انتشار الأدب الأندلسي العربي بين الأوربيين، ويظن الكثيرون أن هذه الظاهرة نشأت من الاقتباس من الأدب العربي، الذي تظهر فيه الرومانتيكية البالغة في الغزل الرقيق والرثاء الباكي ونحو ذلك.
هذا عدا التأثير الفلسفي الذي أثرته الأندلس في أوربا والذي ذكرناه في أثر فلسفة ابن رشد، فقد كانت فلسفته مشعلا يسار به في جميع أنحاء البلاد. نعم إن الحضارة الأوربية استمدت حضارتها وثقافتها على الوجه الأكمل من كتب اليونان والرومان أنفسهم، ولكنهم في الحق لم يلتفتوا إلى المصادر اليونانية والرومانية؛ إلا لأن العرب - بفلسفة ابن رشد وشروحه على أرسطو وأمثال ذلك - فتحوا شهيتهم لقراءة الكتب اليونانية والرومانية في أصولها، والذي يشك في ذلك يجب أن يقارن بين قرطبة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من مدن الأندلس في أيام ازدهارها، وبين المدن الأوربية في ذلك الزمن. وليكن منصفا في المقارنة: أيها كان أرقى علما، وأحسن حضارة، وأسمى تقدما؟ هل يساوره شك في أن الأولى كانت كلها أرقى من الثانية، وأن بعض المؤرخين شبه مدن الأندلس وسائر الممالك الأوربية فينا، بين بلاد البلقان كلها.