هذا ما يصح أن يقال في الاستقبال. أما شأن الإذاعة فقد كان هناك نوعان من الموجات، نوع ذهب إلى الشرق، وربما كان أصله أيضا من الشرق، ولكنه صبغ بالصبغة الأندلسية، ونوع من الموجات ذهب إلى أوربا كبعض الأدب، وكثير من الفلسفة وخاصة فلسفة ابن رشد وبعض العلوم كالرياضة والهندسة وغير ذلك؛ ولذلك كان من قال: إن النهضة الأوربية طارت أول ما طارت من على عاتق العرب، لم يبعد عن الصواب. فالمتحررون من النصارى بسبب فلسفة ابن رشد، وقيامهم في وجه الكنيسة سبب وجود طائفة تدعو إلى حرية الفكر والنهضة الحديثة. ومن ناحية أخرى فإن الأوربيين عندما عرفوا الآثار اليونانية والرومانية عرفوها أول الأمر عن طريق نقلهم للآثار العربية، وبعد ذلك اشتاقوا أن يعرفوا الآثار اليونانية والرومانية في أصولها، فالشوق الذي كان عندهم إنما بثه العرب فيهم.
نعم إن المشرق استطاع أن يذيع بعض الشيء في أوربا عن طريق الحروب الصليبية أحيانا، ولكن ذلك كله ليس بشيء إذا قيس بتأثير الأندلسيين في أوربا.
لقد اختلف علماء الإسبان في مقدار انتفاعهم بمسلمي الأندلس، حتى أنكرها بعضهم نكرانا تاما، وقالوا: إذا أردنا معرفة أصل أي شيء إسباني، فلننظره عند اليونان والرومان لا عند العرب. بل قال بعضهم: إن حكم المسلمين للأندلس أخر تقدم الإسبانيين، ولولا ذلك لنهضوا نهضة فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها. فليس من فرق إلا حكم المسلمين لهم والتطاحن الشديد بينهم وبينهم مدة ثمانية قرون كاملة، لا يهدأ لأحد منهما بال. ولكن من حسن الحظ أن هذا ليس مذهب الجميع، بل من الإسبانيين من يرى من الحق أن حكم المسلمين للأندلس حلقة في سلسلة تاريخ الأندلس، وأن المسلمين رقوا الأندلس أثناء حكمهم في العلوم والحضارة. حتى إذا قيست إسبانيا بغيرها من الأمم كانت أرقى منها. بل ما لنا نذهب بعيدا، وقد قلنا: إنه لولا فلسفة المسلمين في الأندلس وانتشارها في أوربا لما نهضت أوربا هذه النهضة، بل تأخرت قرونا، فكيف بإسبانيا إذا لم يكن حكمها المسلمون هذه القرون؟
ومن حين لآخر نسمع عن أشخاص يقومون ليدعوا أن المسلمين في الأندلس لا فضل لهم على الإطلاق. وهذه عصبية لا تخدم الحق، ولكن تخدم النزعة الدينية المتزمتة. والزمان كفيل بإظهار الحقيقة بعد البحث. وتأخر إسبانيا - إذا عدت متأخرة - ليس سببه حكم العرب لهم، بل سببه على الأرجح إبعاد العرب عنها، وقد كانت في يدهم الزراعة والصناعة والتجارة، فلما أخرجوا انحطت البلاد بسبب خروجهم، ووقفت الأعمال الهامة التي كانوا يقومون بها، ولم يستطع نصارى الإسبان أن يحلوا محل المسلمين في أعمالهم.
هذا إجمال نفصله فيما يلي:
يخطئ من يظن أن الأندلس كانت مسكونة بالعرب والبربر وحدهم، فقد كانت في الواقع مسكونة بهما، وبعدد كبير من الإسبان، والأمم الأوربية، ممن دخلوا في الإسلام أو أسروا في الحروب، ونساء بعن رقيقات واستولدهن العرب والبربر، فكانوا جيلا مسلما جديدا يتكاثر مع الزمان. والشأن في ذلك شأن المشرق تماما. وكذلك يخطئ من يظن أن بغداد والعراق كانتا مسكونتين بالعرب وحدهم، بل كانتا مسكونتين بأسرى الأمم المختلفة، والنساء الرقيقات المأسورات، والعبيد والإماء الذين يباعون في الأسواق وغير ذلك. كل هذا من شأنه أن يجعل الساكنين كأنهم صبوا في بوتقة، ومزجوا على النار مزجا تاما، فأخذ كل من كل، وكانت النتيجة خليطا فيه عناصر إسبانية أو أوربية، وعناصر عربية أو بربرية. وكان الشأن في ذلك كالماء الحار يخلط بماء بارد فيكون الناتج ماء لا حارا ولا باردا. إن كان ذلك كذلك في الشئون المعنوية من أفكار وآداب، وعلوم وفلسفة، فلا عجب إذا أن نرى ألفاظا عربية كثيرة تسربت إلى الإسبانيين والبرتغاليين، كما أن ألفاظا إسبانية وبرتغالية دخلت العربية، كما يظهر ذلك على الأخص في ديوان ابن قزمان.