تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا ضغط القسس على فرديناند وإيزابلا، فطردا كثيرا من المسلمين إلى خارج بلاد الأندلس، فخسروا بذلك خسارة كبيرة في التجارة والصناعة والفنون، وضحوا بمصالح إسبانيا من أجل إرضاء طائفة من القسس، حتى قال بعضهم: «إن إسبانيا ضحت بحريتها وعظمتها كشعب في سبيل الكاثوليكية».

وقال آخر: «لما مات الإسلام في الأندلس كان موته تسميما لإسبانيا».

ولم يلبث فرديناند وإيزابلا أن اخترمهما هذا السم، فبدآ يتركان التسامح الذي درج عليه ملوك قشتالة وأرغونة، وسيطرت عليهما النزعات الكنسية وميولها، حتى بلغت بهما إلى التعصب والسخف ، واقتفى أثرهما من تبعهما من الملوك، وبذلك قضوا على زهرة الفكر الذي خلفه الإسلام لإسبانيا.

وكان من منافذ الفن الإسلامي إلى أوربا صقلية، فقد حكمها المسلمون مدة طويلة، وازدهرت علومهم وفنونهم فيها، فلما انتهت دولة المسلمين، وقبض عليها المسيحيون من النرمانديين وغيرهم، واقتبسوا أيضا كثيرا من الثقافة العربية والفن العربي، حتى يرووا أن روجر النرماندي كلف الشريف الإدريسي أن يعمل له كرة يرسم عليها شكل الأرض إلى كثير من أمثال ذلك، فإذا أضفنا إلى هذين العاملين - وهما الأندلس وصقلية - الحروب الصليبية في الشرق، وما كان فيها من اختلاط مكن كلا من الطرفين أن يعرف ما عند الآخر ويستفيد منه، فقد وضعنا أيدينا على أسباب انتقال الثقافة من الشرق إلى الغرب.

تأثر الأندلس وتأثيرها

الحق أن الأندلس كانت كمحطات الإذاعة الرئيسية، فيها آلات للاستقبال وآلات للإذاعة، فأما أولا فقد استقبلت كل ما أرادت من المشرق، وذلك بواسطة تجار الكتب وبواسطة الأمراء الذين كانوا يريدون أن يزهروا دولتهم، بنقل كتب المشرق إلى مكاتبهم ثم إباحتها للجماهير، وبالحج وما كان يكثر التلاقي فيه والحديث عن الأدب والعلم والكتب وتبادل كل ذلك. ثم بسرعة الانتقالات وسهولتها، فكانت رقعة العالم الإسلامي كوادي النمل، كل يوم تجد من يجيء ومن يروح؛ ولذلك كان العالم الإسلامي كله كأنه قطر واحد لا أقطار متعددة؛ ثم شيء آخر، وهو أن بيوت الأمراء والوزراء حتى والأوساط كانت مملوءة بالرقيق، وهذا الرقيق منه الإسباني والفرنسي، وأسرى الحرب من أمم مختلفة، وهم يسمون كل ذلك الصقالبة، والإسلام يبيح الاتصال بملك اليمين والتزوج بهن، والخلفاء والأمراء منهم من تزوج فعلا بهن، وهؤلاء الأرقاء من رجال ونساء لعبوا دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية الأندلسية، قد كانوا ينقلون أفكار الأوربيين إذ كان بعضهم من الخاصة، وكانوا ينقلون عادات أممهم وتقاليدها، ومن تعلم اللغة العربية منهم كان ينقل الأفكار والأقاصيص الأوربية باللغة العربية. وانقسمت البيوت إلى قسمين؛ قسم من أولاد السراري، وقسم من أولاد الحرائر، والأولاد تبعا لأمهاتهم ينقسمون أيضا على قسمين: قسم يتعصب لأمه السرية ، وقسم يتعصب لأمه الحرة، وكثيرا ما وقع القتال في المملكة بسبب تعصب كل فرد.

وليلاحظ أن انتقال الأفكار في غاية الخفاء والسهولة، فقد يخالط أندلسي رجلا أوربيا في جلسة عادية، فتنتقل أفكار كل من هذا إلى ذاك، ومن ذاك إلى هذا، وقد يرحل أندلسي فيقرأ كتابا شرقيا أو يتتلمذ على أستاذ شرقي، ثم يقدم الأندلسي إلى بلاده، فيلقي في أرض الأندلس البذور التي سمعها، والبذور تتأقلم بالبيئة. وشاهد ذلك في الأدب وكل فرع من فروع العلم والفلسفة وغير ذلك؛ ولذلك كان من العسير جدا أن ترد النسيج الأندلسي إلى خيوط شرقية أو خيوط أوربية أو خيوط مبتكرة. فهذا ما لا يستطيعه إنسان إذا أراد الجزم والتحديد، وإنما كل ما يستطيعه الشك والظن؛ ولذلك يعجبني جدا رأي القاضي عبد العزيز الجرحاني في «الوساطة بين المتنبي وخصومه»، إذ جعل الحكم على معنى بيت من الشعر بأنه مسروق أو غير مسروق شيئا في منتهى الصعوبة؛ لأن الحكم يتطلب معرفة تامة بكل المعاني الماضية، ثم احتمال أن يتسرب معنى من هذه المعاني إلى قائل البيت الأخير وهذا عادة مستحيل. وكذلك ما نحن فيه.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٢٩