وبلغ الفن الإسلامي في الأندلس درجة عالية، رغم أن الإسلام يحرم الصور والتماثيل؛ لأنها تعيد إلى الذهن عهد الوثنية الأولى، والإسلام يريد أن يجتثها من أساسها؛ ولذلك كان كثير من المتدينين قد يصورون الحيوان والنبات لبعد احتمال عبادتهما، ولكن لا يصورون الإنسان لاحتمال عبادته؛ ولذلك وجهوا همهم إلى الزخارف والنقوش والصور الهندسية من ذلك أنهم زينوا مثلا قصور الزهراء بأسد عظيم الصورة، بالغ الروعة، قد طلي بالذهب، ووضع مكان العينين جوهرتان لهما ضوء خاطف، قد أقيم على بحيرة، يجوز الماء منه إلى مؤخره من قناة تحمل إليه الماء العذب على حنايا معقودة، فيدفع الماء إلى البحيرة.
1
ومن ذلك أيضا ما روي من أن الناصر صنع حوضا لاستحمامه أقيم عليه تماثيل من الذهب الأحمر، مرصعة بالدر النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة - تمثال أسد إلى جانبه غزال، ثم تمساح، يقابله ثعبان وعقاب وفيل. وفي الجانبين حمامة، وشاهين وطاوس، ودجاجة، وديك، وحدأة، ونسر، وكلها مرصعة بالجوهر النفيس، يخرج الماء من أفواهها.
2
فترى من ذلك أنهم تفننوا في اتخاذ التماثيل من الحيوان دون الإنسان، ومع هذا نجد في الرواية أحيانا ما يخالف هذا، فقد ذكروا أن الناصر هذا أمر أن تنقش صورة جاريته الزهراء على باب القصر المسمى باسمها، وملئت أبهاء الزهراء بتماثيل وصور بشرية، مما يعد ظاهرة جديدة في الفن الإسلامي. وإلى الآن توجد في إسبانيا بمتحف قرطبة آثار فنية رائعة تشهد بحسن ذوقهم، ومهارة فنهم، ومن ألطف الأمور أن نرى فن الشعر يخدم فنون النحت والتصوير والتمثيل، كما خدم فن الموسيقى فن الشعر، وكلها من واد واحد. فيروي المقري أنه كان في حمام بإشبيلية تمثال بديع الصنع قال فيه الشاعر:
ودمية مرمر تزهو بجيد
تناهى في التورد والبياض
لها ولد ولم تعرف خليلا
ولا ألمت بأوجاع المخاض
ونعلم أنها حجر ولكن
تتيمنا بألحاظ مراض
فهذا غزل في تمثال، وهو يدلنا على أن التمثال كان من رخام أبيض مشوب بحمرة، كما يدل عليه قوله: «تناهى في التورد والبياض».
ويدل أيضا على أن التمثال تمثال امرأة بجانبها ولدها، إذ يقول: «لها ولد ولم تعرف خليلا». وربما دلنا على خروج الأندلس على العادة المألوفة عن المسلمين في عدم تصوير التماثيل الإنسانية. فضغط البيئة كان أقوى عليهم من تعاليم الدين، وربما تأولوا ذلك بأن الخوف على المسلمين من عبادة الأصنام والأبطال قد أمن جانبه، فلم يبق محل لتحريمه، وإلى ذلك ذهب بعض الفقهاء. وكان أزهى العصور الفنية عصر عبد الرحمن الناصر، وعصر بني الأحمر في غرناطة، فلما جاء المرابطون والموحدون هبطت درجة الفن لما يغلب عليهم من البداوة، وعدم إرهاف ذوقهم الفني؛ ولذلك يكفيهم فخرا أنهم أبقوا على ما بقي، ولو لم ينشئوا جديدا:
لا تعجبن من هالك كيف ثوى
بل فاعجبن من سالم كيف نجا
ولما تغلب الإسبان على الأندلس طمسوا كثيرا من الكتابات العربية التي على المساجد والقصور، وكان العرب مولعين بذلك، حتى لقد كتبوا على أثر فني سورة الفتح بأكملها، وأراد الإسبانيون بذلك أن يمحوا آثار العرب، ولكنهم أخيرا لما أحسوا برغبة السائحين والفنانين في رؤية هذه النقوش العربية أخذوا يزيلون الجص عن الكتابة، وكلما عثروا على كتابة عربية عدوا اكتشافها كنزا.
ولا ننسى بعد ذلك تأثر إسبانيا بالموسيقى العربية، فكان عدد من حكام قشتالة يستخدمون مهندسين من المدجنين، ويستمتعون إلى موسيقيين منهم، وحتى الآن لا يزال الشرقيون يرون الموسيقى الإسبانية أقرب إلى آذانهم، وتتفتح لها قلوبهم أكثر من الموسيقى الفرنسية أو الإنجليزية او الألمانية. والسبب في ذلك واضح، وهو أن الموسيقى الإسبانية مطعمة بالموسيقى الشرقية بواسطة مسلمي الأندلس.