ولما تغلب الإسبانيون على المسلمين وجدت طائفة من المسلمين يسمون المدجنين، وهي كلمة تطلق على الذين دخلوا تحت حكم الإسبان بعد سقوطها في أيديهم، وفضلوا البقاء في بلادهم، كانوا في أول أمرهم يتسامح معهم في الإتيان بشعائر دينهم، والظهور بمظهر الإسلام، ولكن ضغط القسس على الولاة فحرموا عليهم إقامة شعائر دينهم، وأكثروا عليهم من الأغلال والضرائب والرقابة. هؤلاء المدجنون كانوا يجمعون بين ما اقتبسوه من الفن الإيطالي والصنعة القوطية والطراز العربي. وكان البناءون من المدجنين ومن الإيطاليين ومن الهولنديين، يطوفون في البلاد ويشتركون في بناء الكنائس والأديار، وخلفوا من ذلك كثيرا، ووجدت في الأندلس تماثيل كثيرة، ولكن الغالب أنها من صناعة الإيطاليين، وبعضها قديم يرجع إلى زمن الرومان.
ولم يكن العرب مقلدين فقط، بل استفادوا من العمارات التي شاهدوها في الشرق، وزاد ذوقهم إرهافا لما نزلوا بالأندلس حيث الطبيعة جميلة، وحيث البلاد مفتوحة بآثارها أمامهم، فخلطوا هذا بذاك، وأنتجوا نتاجا جديدا كان عليه طابعهم، خصوصا وأن العرب في الأندلس قويو الملاحظة، حسنو الذوق، سرعان ما يهضمون ويخرجون ما هضموه كأنه شيء جديد.
ولهم في الفنون المختلفة مجال، فأولا: العمارة، وأكبر ما يمتازون به العقود في البناء، فنرى أنهم شغفوا بهذا النحو من العمارة، وبنوا على أساسه مساجدهم وقصورهم. نعم إن هذه العقود كانت معروفة في إسبانيا من قبل، ولكنهم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، حتى كأنها من وضعهم، وتوسعوا في تقويس الجوانب، وسدوا نصف فتحة العقد في بعض الأحيان، وابتكروا طريقة عمل الأقبية التي تقوم على عقود متقاطعة وأدوار متعارضة، وانتشرت هذه الطريقة في المدن الأندلسية على اختلافها، وزادوا على ذلك مهارة في أشغال الخشب والرسم عليه رسوما هندسية، والخزف والمنسوجات، فبرعوا في تزيين السقوف بالأشكال الهندسية، والألوان البديعة، مما لم يكن له نظير، كما برعوا في صنع القاشاني، وتزيين المقاعد العامة به، وكان للفخار الأندلسي بريق متألق كالذهب، وقد أخذوه من القسطنطينية أولا، ثم أدخلوا عليها تحسينات كثيرة، وزاد في جماله ما كتبوا عليه من الكلمات العربية بالحروف الكوفية. وكان لكل أمير شارة خاصة، وهي المسماة «رنكا» زينوا بها أمتعتهم وكتبهم وغير ذلك، وكان لهم صبر طويل على إخراج الأدوات الجميلة، فلا مانع عند الصانع أن يصرف السنين في إخراج تحفة فنية كصندوق خشبي مكفت، أو دواة جميلة مكفتة، ودلهم ذوقهم على استخدام الكتابة العربية في التجميل والزخرفة أو بيت من الشعر أو دعاء بالعافية، أو ذكر أوصاف لمن تعمل له التحفة، وقد ينتهي ذلك بكتابة الصانع اسمه، وأكثروا من استعمال ذلك حتى على المقابر، كما مهروا في صناعة الزجاج الملون والنقش والكتابة عليه.
ولما كان الدين الإسلامي يمنع من إقامة التماثيل وتصوير الأبطال، عمدوا إلى تجميل الخط، وتصوير أوراق الأشجار، أو تحلية الشيء المصنوع بالأشكال الهندسية، حتى صناعة النسيج مهروا فيها، وسرت منهم إلى أوربا فيما بعد. وقد كان عندهم نوع من القماش يقال له: العتابي، نسبة إلى عتاب، واشتهر هذا النوع في فرنسا وسمي في لسانهم «تابي»، وعرف بهذا الاسم في أوربا كلها. وهناك نوع من الأقمشة القطنية يعرف باسم «ديميتي» ويقولون في اشتقاقه: إنه من اليونانية من دي بمعنى اثنين وميتوس بمعنى خيط؛ لأن هذا القماش كان ينسج من أول أمره في خيطين، ولكن تظن السيدة دي فونشير أنه نسبة إلى دمياط، إذ كان هذا النوع مشهورا عندهم.
وقد قلد الصناع من الفرنج العرب في فنهم تقليدا دقيقا، ومن ألطف ما يروى في ذلك أن بعض الصناع الأوربيين كانوا يقلدون الخط العربي على أنه رسم من الرسوم من غير أن يعرفوا قراءته، فحدث أن ملك مرسية واسمه «أوفا» صك نقودا محفوظا بعضها في المتحف البريطاني، وقد كتب على قطعة النقود اسم الملك باللغة اللاتينية وحوله كتابة عربية فيها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» على أنها مجرد نقش، من غير أن يتنبه الصانع إلى أن ذلك يخالف التعاليم المسيحية، وعثر على صليب إيرلندي مطلي بالبرونز اللامع، كتب في وسطه على الزجاج بالخط الكوفي عبارة «بسم الله»، ففي هذين المثلين دليل على أن الفن العربي كان يغزو الفن الأوربي، ويحمل الفنانين على تقاليد العرب حتى في كتابتهم على أنها من التصوير.