ثم رحل إلى بلاد العرب عن طريق جزيرة سوماطرة، فترى من هذه حبه الكثير للتجوال، وكان في كل بلدة ينزلها يختلط بأهلها وبأميرها، وكثيرا ما يتزوج منها مما يسهل له وصف مناظرها، وشرح عوائدها، وكان يهتم اهتماما كبيرا برجال الدين؛ ولذلك يعد كتابه وصفا شاملا للحياة الاجتماعية في عصره، كما يدل وصفه على كيفية تصوره للمسائل.
وقد أفادتنا رحلته ورحلة ابن جبير فوائد أكثر مما أفادتنا كتب التاريخ المؤلفة في عصرهما؛ لأن تاريخهما تاريخ حي، يعنى بالحياة الحية أكثر مما يعنى بالحروب والفتوح والجنود وعددها وغلبتها ... إلخ.
ومما يتصل بالرحلات ما ذكره الشريف الإدريسى عن الإخوة المغررين من أنهم: «خرجوا من أشبونة أولا إلى ناحية الغرب، وساروا «في البحر» اثني عشر يوما، فلم يجدوا شيئا، فانعطفوا إلى ناحية الجنوب، فساروا اثني عشر يوما أخرى، فوصلوا إلى جزيرة لم يجدوا فيها إلا غنما لحومها مرة لا تؤكل، فانعطفوا أيضا إلى الجنوب، وساروا اثني عشر يوما إلى أن وصلوا إلى جزيرة وجدوا فيها بشرا، وأخذوا إلى أمير الجزيرة وجرى معهم ما جرى».
والذي يظهر من هذا أنهم وصلوا أولا إلى جزيرة بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وقد سار في نفس الطريق كولمبس، ولا شك أنه وقف على رحلة هؤلاء الإخوة واستفاد مما ورد عنهم. ويظهر أن قول الإدريسي: أنهم ساروا مسافة اثني عشر يوما حتى وصلوا ما وصلوا إليه ليس بدقيق؛ فإن المسافة تقطع في المراكب الشراعية في أطول من هذا، ومما يروى أن كولمبس قد اطلع على كتب كثيرة قبل رحلته، منها ما أخذه عن العرب كما ورد في دائرة المعارف الفرنسية، فهم بهذا كانوا أسبق في اكتشاف أمريكا، لولا سوء الظروف التي منعت من نجاحهم.
| هوامش
الفصل السابع
| الحركة الفنية
عرفت إسبانيا بأنها مركز لآثار كثيرة، وحضارات قديمة متوالية؛ ولذلك كانت مدرسة يدرس فيها الفنانون الفنون المختلفة للحضارات المختلفة.
وقد مكن لها من ذلك ما قلنا من توالي الحضارات عليها، وقربها من إيطاليا وفرنسا المعروفتين بالذوق الفني. فالعرب لما كانوا بالأندلس استفادوا من فنية هاتين المملكتين، وهضموا ما استفادوا وأخرجوه على نحو جديد، استطاعوا به أن يعيدوا الجميل لمن اقتبسوا منهم. لقد توالى على الأندلس الرومان والقوط والعرب والإسبان، فأما الرومان فكانوا ذوي مهارة فنية عظيمة، وأعظم ما خلفوه كان في بلدة ماردة، إذ كانت عاصمة لوزيتانيا، فخلفوا فيها كوبري «جسرا» كانت له واحد وثمانون حنية أو باكية، وخلفوا فيها قناتين مغلقتين، وملهى للتمثيل، وملعبا عاما، وهيكلا للمريخ تحول فيما بعد كنيسة، وقوس نصر، وخلفوا في طركونة عدة هياكل وملهى للتمثيل وملعبا وحمامات، وجميعها من أفخم المباني الرومانية. وفي بلدة شقوبية خلفوا قناة مغلقة طولها 810 مترا، منها 266 مركبة على دورين من الحنايا الواحد فوق الآخر، وعدد قناطرها 119 قنطرة.
وأما القوط فخلفوا أكثر ما خلفوا كنائس، منها كنيسة سانميسكال في أوبيط، وكنيسة شانتمرية. وقبيل دخول العرب الأندلس مالوا في فنهم إلى المتانة والرصانة دون الزخرف، وبنوا في مدينة برغش كنيسة كبرى تحتوي على أنماط البناء في الأعصر الثلاثة الأخيرة، ويقال: إنها أبدع كنيسة في إسبانيا بناها يوحنا الكولوني، وكانوا يميلون إلى نوعين أخيرا قللا من بهجة الفن: الأول جعل موضع خاص في وسط الكنيسة للأحبار والقسيسين مما أخل بجمال الهندسة، والثاني ميلهم إلى تقليل النور في الكنائس، فكانت أبنيتهم تستدعي الظلمة لا النور، على العكس من البناء العربي، فهو يحب النور ويكره الظلمة.
وأما أبنية العرب فكثيرة، وربما كان أعظمها مسجد قرطبة، من حيث جماله وسعته، فهو لا يفوقه في السعة إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وربما ساوى مسجد ابن طولون في القاهرة، وقد توسع فيه على ممر الزمان، فكان كلما كثر العمران وزاد السكان توسعوا فيه. حتى لقد قالوا: إن قسمي المسجد، القسم المسقوف والصحن السماوي يسعان نحو ثمانين ألف مصل. وقد زين هذا المسجد بالنقش والفسيفساء، مما يدل على أن الأندلسيين أخذوا هذا الفن من البيزنطيين وحسنوه وأتقنوه، وقد تفننوا في الخرط والنحت والنقش والزينة مما جعل لهم أسلوبا خاصا بهم يفهمه الفنان. وقد بدئ في بناء المسجد سنة 786ه وأخذت بعض عمده من الأبنية الرومانية القديمة، ولما كان الرواق عظيم الحجم، كان من المناسب أن يكون سقفه عاليا، يفوق ارتفاعه ارتفاع العمد، ففكروا في أن يبنوا أقواسا على العمد تمكن من ارتفاع السقف، وقد تفننوا في بناء مساجد كثيرة من الآجر على نمط جميل، ومن أجمل أبنية العرب في الأندلس قصر الحمراء، شيده بنو الأحمر في غرناطة، وفيه أبنية غاية في الجمال، كوحش السباع، وحوش الريحان، وقاعة السفراء، وقاعة بني سراج، وقاعة الحكم. وأجمل ما في هذه القاعات الأعمدة الرخامية والنقوش البديعة بالجص، والكتابات العربية التي تتكرر فيها: «لا غالب إلا الله، وعز لمولانا أبي عبد الله»، ولا تزال هذه الحمراء إلى اليوم زينة إسبانيا، ومقصد السائحين والفنانين.