تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحقيقة أن من قرأ الكتاب استدل منه على معرفة واسعة بالبلاد وخبرة تامة بمواقعها وميزاتها، ونباتها وحيوانها، وغير ذلك مما يعجب منه القارئ، ويتصل بالجغرافيا أكبر اتصال الرحلات، وقد كان في المشرق رحالون كثيرون أفضلهم المقدسي، وكان في الأندلس أيضا رحالون كثيرون، وربما كان الأندلسيون أقدر على الرحلة لما يغلب عليهم من الدروشة والتصوف، فكانوا يجدون سهولة كبيرة في التنقل والإقامة في البلاد التي ينزلونها، ويستقبلون استقبالا حسنا في الرباطات والخانقاهات، ومن أشهر رحالي الأندلس ابن جبير وابن بطوطه، فابن جبير أبو الحسين محمد، ولد ببلنسية سنة 540ه، ودرس الفقه والحديث في شاطبة، ثم حج فذهب من غرناطة إلى سبتة عن طريق جزيرة طريف، ومن سبتة ركب البحر إلى الإسكندرية، ثم مر بالقاهرة، فقوص فعيذاب فجدة، وفي رجوعه رحل إلى العراق فزار بغداد والكوفة والموصل، ورحل إلى الشام فزار حلب ودمشق، وركب البحر من عكا إلى صقلية، ومن صقلية عاد إلى غرناطة، ورحل بعد ذلك رحلتين إلى المشرق: أولاهما من سنة 585ه إلى 587ه، والثانية سنة 614ه. ويظهر أنه كان ينوي الرحلة بعيدا ولكنه لما وصل إلى الإسكندرية مات. وقد ملئت رحلته بالفوائد فهو يذكر العلماء الذين رآهم ويصفهم، والوعاظ وطريقة وعظهم، والمكاسين وطريقة أخذهم للضرائب، هذا عدا وصف المدن أو البلاد التي كان يمر بها.

وعلى الجملة فكتابه أوفى رحلة وصورة اجتماعية وجغرافية للبلاد التي مر بها، حتى إن الإفرنج اهتموا كثيرا بالقسم من رحلته الذي دون فيه حالة صقلية في عهد وليم الصالح، وترجموا نصه وعلقوا عليه.

وكان مثقفا دقيق الملاحظة، بليغا في الوصف، فمثلا يقول وقد أتى شهر رمضان عليه وهو في مكة: «وكان صيام أهل مكة يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح، لكن أمضى الأمير ذلك، ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبه لموافقته مذهبه، ومذهب شيعته العلويين ومن إليهم؛ لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضا. ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر من تجديد الحصر، وتكثير الشمع والمشاعل وغير ذلك من الآلات، حتى تلألأ الحرم نورا، وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا» إلخ من وصف مفصل دقيق.

ويقول لما وصل بغداد: «هذه المدينة العتيقة، وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية، قد ذهب أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث الطامس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعي من المستوفز العقلة والنظر ... وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع التواضع رياء، ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء. يزدرون الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء، ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء ... إلخ».

ويلي ابن جبير في الزمن ابن بطوطة، وقد ضبطه ابن خلدون في نسخته بضم الباء، وكثيرا ما يلقب بالطنجي؛ لأنه ولد بطنجة سنة 703ه، ولكن أهله كانوا بالأندلس، ومنهم من تولى القضاء ببعض مدنها، وكان أكثر دروشة في سفره من ابن جبير. بدأ رحلته بالحج إلى مكة عن طريق شمالي إفريقيا فمصر فالبحر الأحمر، ولما لم يجد الطريق أمامه مفتوحا، عاد ووصل إلى مكة عن طريق الشام وفلسطين، ومن مكة وصل إلى العراق، ثم زار بلاد فارس والموصل وديار بكر، ثم زار مكة للمرة الثانية، وقضى فيها عامين، ورحل رحلة ثالثة إلى جنوب بلاد العرب، فإفريقيا الشرقية، ورحل منها إلى الخليج الفارسي، ثم عاد إلى آسيا الصغرى وبلاد القرم عن طريق مصر والشام، وزار القسطنطينية في حاشية الأميرة اليونانية زوجة السلطان محمد أوزبك، واخترق خوارزم وبخارى وأفغانستان، ثم رحل إلى الهند وولي القضاء في دلهي، وسار في بعثة سياسية إلى الصين فوصل إلى جزائر مولديف، ومنها سافر إلى الصين عن طريق سيلان والبنغال والهند الأقصى.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٢٥