وقفت بالزهراء مستعبرا
معتبرا أندب أشتاتا
فقلت: يا زهرا ألا فارجعي
فقالت: وهل يرجع من ماتا
فلم أزل أبكي وأبكي بها
هيهات يغني الدمع هيهاتا
كأنما آثار من قد مضى
نوادب يندبن أمواتا»
واخترعوا طريقة لطيفة لإظهار محاسن كل مدينة، وهي طريقة إقامة مناظرة بين المدن الأندلسية المختلفة تفخر بنفسها، وتظهر مزاياها التي لا توجد في مدن أخرى، وترد الثانية عليها، كما روي أن مالقة قامت فقالت: «لي البحر العجاج؛ والسبل الفجاج، والجنات الأثيرة، والفواكه الكثيرة، ولدي من البهجة ما يستغني به الحمام عن الهديل، ولا تجنح الأنفس الرقاق الحواشي إلى تعويض عنه وتبديل ... فقامت مرسية وقالت: أمامي تتعاطون الفخر، وبحضرة الدر تنفقون الصخر، إن عدت المفاخر فلي منها الأول والآخر، أين أوشالكم من بحري، وخرزكم من لؤلؤ نحري، وجعجعتكم من نفثات سحري، فلي الروض النضير، والمرأى الذي ما له نظير، فأبنائي فيه في الجنة الدنيوية مودعون، يتنعمون فيها يأخذون ويدعون، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون ... فقامت بلنسية وقالت: فيم الجدال والقراع؟ وعلام الاستهام والاقتراع؟ وإلام التعريض والتصريح، وتحت الرغوة اللبن الصريح؟ ... فلي المحاسن الشامخة الأعلام، والجنات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام ... فأنا حيث لا تدركون ... إلخ.
وهكذا قامت كل مدينة تفتخر بما عندها، وتعتب على غيرها في شكل أدبي لطيف.
وكان من أشهر جغرافيي الأندلس وأقدمهم البكري، وهو عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن أيوب. ومن حسن الحظ أن آثاره في الجغرافيا لا تزال بين أيدينا إلى اليوم، ك «معجم ما استعجم». وقد ازدهر اسمه في النصف الثاني من القرن الخامس، وسمي البكري نسبة إلى قبيلة بكر إذ كان من نسلهم. ولقد ذهب إلى قرطبة وتعلم فيها، وكانت قرطبة إذ ذاك في حكم بني جهور، وفي قرطبة أتم البكري تعلمه على مشاهير العلماء في ذلك العصر، ثم دخل البكري في خدمة أمير المرية، وهناك يحدثنا التاريخ أنه سمع بعض المحاضرات من المؤرخ الجغرافي المشهور ابن حيان. وقد أوفد أمير المرية البكري إلى أمير الموحدين للاستعانة به، فنجح في سفارته. وقد ألف كتبا كثيرة بعضها أدبي وبعضها جغرافي أدبي كتعليقاته على أمالي القالي، وشرحه لأمثال أبي عبيد. أما في الجغرافيا فمن أشهر كتبه كتاب «معجم ما استعجم»،
7
وهو يذكر اسم البلدة ويروي أشهر ما لها وما ورد من الشعر فيها في دقة وعناية، ويضبطها ضبطا صحيحا، وكان من بين ما تعرض له «الأندلس»، وله أيضا كتاب «المسالك والممالك»، وقد وصل إلينا منه بعض قطع، جمعه من أقوال من تقدمه من المؤرخين، من كتب لم تصل إلينا، ضم فيه نتفا من التاريخ، إلى نتف من الجغرافيا، وتعرض - عدا الأندلس - إلى جغرافيا إفريقيا ومصر والعراق وما وراء النهر.
وعلى الجملة فكان علما عظيما من أعلام الجغرافيين الأندلسيين.
واشتهر كذلك في الجغرافيا الشريف الإدريسي، وربما كان أكبر جغرافيي المسلمين ويعرف عنه الأوربيون كثيرا، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد، ويسمى بالشريف لنسبته إلى الحسن، وأحيانا يلقب بالقرطبي. والسبب في معرفة الأوربيين له أنه اتصل ببلاط روجر الألماني ملك صقلية، وقربه إليه وحط رحاله عنده، بعد رحلات طويلة في ممالك مختلفة. وكان روجر هذا يشجعه على التأليف في الجغرافيا ورسم الخطط له؛ ولذلك قد يسمى الشريف الإدريس الصقلي. وألف في الجغرافيا كتابه المشهور «نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق»، وشحنه بالخرائط اللازمة التي تزيد عن الأربعين خريطة، وكان أعظم كتاب في الجغرافيا في زمنه؛ ولذلك ترجم إلى اللغة اللاتينية وطبع.