تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا

إن السبيل إلى منجاتها درسا

يا لجزيرة أضحى أهلها جزرا

للحادثات وأمسى حدها نفسا

تقاسم الروم لا نالت مقاسهم

إلا عقائلها المحجوبة الأنسا

وفي بلنسية منها وقرطبة

ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا

مدائن حلها الإشراك مبتسما

جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا

وهي قصيدة قوية طويلة تفيض بكاء. وأخيرا سقطت الأندلس كلها، فقيل في رثائها الكثير، ومن أحسنه:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول

من سره زمنه ساءته أزمان

تبكي الحنيفية السمحاء من أسف

كما بكى لفراق الإلف هيمان

على ديار من الإسلام خالية

قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس ما

فيهن إلا نواقيس وصلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة

حتى المنابر ترثي وهي عيدان

يا غافلا وله في الدهر موعظة

إن كنت في سنة فالدهر يقظان

يا من لذلة قوم بعد عزهم

أحال حالهم كفر وطغيان

بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم

واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

فلو تراهم حيارى لا دليل لهم

عليهم من ثياب الذل ألوان

ولو رأيت بكاهم عند بيعتهم

لهالك الأمر واستهوتك أحزان

ويختمها بهذا البيت:

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

إن كان في القلب إسلام وإيمان

لقد رأينا مدنا في الشرق تتساقط تساقط أوراق الشجر، تستوجب الرثاء والبكاء، كما سقطت بغداد في يد التتار، وأزالوا كل ما فيها من مظاهر مدنية وحضارة، وفعل التتار فيها ما لا يقل عما فعله الإسبانيون في الأندلس، وغزا هولاكو وتيمورلنك ونحوهما بلاد الشام، وأسقطوها بلدا بلدا، فما رأينا عاطفة قوية، ولا رثاء صارخا ولا أدبا رقيقا ولا تاريخا مسجلا، كالذي رأيناه في الأندلس، فإن قلنا: إن هذه الناحية في التاريخ الأندلسي أقوى وأشد، لم نبعد عن الصواب. (3)

رأينا في الأندلس أيضا صنفا من التاريخ لم نجده كثيرا في الشرق. قد رأينا في ترجمة ابن عبد ربه أنه وضع ملحمة في أعمال عبد الرحمن الناصر وغزواته مؤرخة بالسنين، ورأينا ملحمة أخرى لأبي طالب عبد الغفار مما لم نجد له نظيرا في الشرق، نعم: رأينا أرجوزة مطولة لابن المعتز في تسجيل الأحداث في زمانه، ولكن قصيدة ابن المعتز في باب الاجتماع أدخل، وملحمة ابن عبد ربه وأبي طالب في باب التأريخ أدخل. والله أعلم.

الجغرافيا

جمع بعض العلماء في كتبه بين معلومات تاريخية ومعلومات في صميم الجغرافيا، ومن أشهر هؤلاء ابن حيان السابق الذكر، فإنه يرد في ثنايا كلامه التاريخي وصف جغرافي كقوله في بعض كتبه:

ابتدأ الناصر ببناء الزهراء اول يوم سنة 325ه، وجعل طولها من شرق إلى غرب 2700 ذراعا، وتكسيرها 990000، وكان يثيب على كل رخامة كبيرة أو صغيرة عشرة دنانير، سوى ما كان يلزم على قطعها ونقلها ومئونة حملها، وجلب إليها الرخام الأبيض من المرية، والمجزع من رية، والوردي والأخضر من إفريقيا، والحوض المنقوش المذهب من الشام، وقيل: من القسطنطينية، وفيه نقوش وتماثيل وصور على صور الإنسان، وليس له قيمة - أي: لا يقوم - ... فأمر الناصر بنصبه في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب عليه اثني عشر تمثالا، وبنى في قصرها المجلس المسمى بقصر الخلافة، وكان سمكه من الذهب والرخام الغليظ الصافي لونه، المتلونة أجناسه، كانت حيطان هذا المجلس مثل ذلك، وجعلت في وسطه اليتيمة التي أتحف الناصر بها إليون ملك القسطنطينية، وكانت قرامد هذا القصر من الذهب والفضة، وهذا المجلس في وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر، قامت على سوار من الرخام الملون، والبلور الصافي، وكانت الشمس تدخل الأبواب، فيضرب شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحدا من مجلسه أومأ إلى أحد صقالبته، فيحرك ذلك الزئبق، فيظهر في المجلس كلمعان البرق في النور، ويأخذ بمجامع القلوب، وبها من المرمر والعمد كثير ، وأحدق بها البساتين، وفيها يقول الشاعر:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٢٣