تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في ابن باجة: «نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره الأعصار، وتأرجت من طيب ذكره الأمصار، وقام وزن المعارف واعتدل، ومال للأفهام فننا وتهدل، وعطل بالبرهان التقليد، وحقق بعد عدمه الاختراع والتوليد. إذا قدح زند فهمه، أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره، فهو لكل شيء مغرق؛ مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفاسد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد الذي يخلق العمود وهو مستجد، وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبات والنحور، وتدعيه مع نطاسة جوهرها البحور»، وقد مات الفتح ميتة شنيعة إذ وجد مخنوقا في فندق في درب من دروب مراكش سنة 529ه.

ومثل ما فعله ابن سعيد؛ فقد ألف كتابا ضخما في ترجمة كل نبهاء الأندلس من أمراء ووزراء وقضاة وشعراء، وسماه «المغرب في حلا أهل المغرب»،

6

ومن اللطيف أن أسرة ابن سعيد هذا تداولت تأليفه في مدة تبلغ نحو 115 سنة، كلما أتى رجل من الأسرة كمل عمل أسلافه. وقد ذكر أن السبب في تأليفه أن أبا عبد الله الحجاري وفد على عبد الملك بن سعيد صاحب قلعة بني سعيد بالقرب من غرناطة سنة 530ه، فأعجبته منه معرفته أدباء الأندلس، وما لهم من طرائف الشعر والنثر، وصنف له الحجاري كتاب «المسهب في غرائب المغرب»، فلما اطلع عليه عبد الملك بن سعيد أعجبه الكتاب، وأضاف إليه ما طالعه من الكتب والتقطه من الأفواه، وبعد أن فرغ منه وضع كتابا على منهجه سماه «المشرق في حلا أهل المشرق»، واضطر ذلك المؤلفين إلى أن يرحلوا إلى المشرق؛ ليجمعوا مادة هذا الكتاب. وطريقتهم في التأليف كما ذكر أحدهم قال: «كل من التصنيفين مرتبة على البلاد، متى ذكر بلد، ذكرت كوره، وأتكلم عليه وعلى كل كورة منه، وأبتدئ بكرسي مملكتها ، وقاعدة ولايتها، بحسب مبلغ علمي، من إعلام بمكانها بالأقاليم ومن بناها، وما يحف بها من نهر أو منزه أو خاصة معدنية أو نباتية، ومن تداول عليها من أبناء الملوك أولي التواريخ التي لا يجب إغفالها، ثم نأخذ في الطبقات واحدة بعد واحدة، وهي خمس: طبقة الأمراء، وطبقة الرؤساء، وطبقة العلماء، وطبقة الشعراء، وطبقة اللفيف، والطبقات الأولى مخصوصة بمن له نظم من أولي الخطط المذكورة ... وطبقة اللفيف مخصوصة بمن ليس له نظم من أي صنف كان، ممن لا يجب إغفاله، وفيها من النوادر والمضحكات ما يكون كالإحماض».

وقد سمى كل جزء يتصل ببلد اسما خاصا مقلدا في ذلك ابن عبد ربه فيما صنع في العقد، فمثلا كتاب «الحلة المذهبة في حلى مملكة قرطبة»، وكتاب «الفردوس في حلى مملكة بطليوس»، وكتاب «الخلب في حلى مملكة شلب»، وكتاب «النفحة المندلية في حلى المملكة الطليطلية» ... إلخ.

وأخيرا ألف لسان الدين بن الخطيب كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة» ترجم فيه لكل علماء غرناطة وفضلائها ترجمة أدبية يسودها السجع.

ونلاحظ أن التاريخ سواء كان تاريخا سياسيا أو تراجم رجال متأثر من ناحية المؤلفين بعلم الحديث ومنهجه أكثر من المشرق. والسبب في ذلك: (1)

أن منهج التعليم في الأندلس كان منهجا دقيقا شديدا، يسوده فقه الإمام مالك وما ينبغي عليه من حديث وتفسير، فكان الاشتغال بالفقه والحديث يسلمهم غالبا من ترجمة رجال الحديث إلى ترجمة رجال العلم والأدب؛ ولذلك نرى أكثر المؤرخين فقهاء أشبه ما يكونون بالطبري في المشرق. فقد كان فقيها مؤرخا، ولكن قل أن نجد بالأندلس مثل: المسعودي واليعقوبي وأبي الفدا من مؤرخي المشرق غير الفقهاء. (2)

ربما نلاحظ أن التاريخ الأندلسي اتصل بالأدب أكثر مما اتصل المؤرخ الشرقي به، وسبب ذلك أن أكثر المؤرخين الأندلسيين كانوا أدباء شاعرين أو ناثرين، وسبب آخر وهو أن عواطف الأندلسيين نحو بلادهم كانت أقوى، فكلما سقطت بلدة في يد النصارى رثاها الأدباء وحلل وقائعها المؤرخون. فمثلا لما سقطت طليطلة وكانت أول ما سقط، تكلموا عن سقوطها كثيرا، وحللوا أسباب سقوطها تحليلا كبيرا. وكذلك لما سقطت بلنسية استغاثوا بصاحب إفريقيا أبي زكريا بن أبي حفص، وقال قائلهم القصيدة المشهورة:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٢٢