مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه
ولا حملت فيها الغراب قوادمه
خلصت خلوص الزبرقان
4
من سراره، وفزت فوز القدح عند قماره، فوصلت حمص
5
بنفس قد تقطعت شعاعا، وذهب أكثرها التياعا، «وليتني عشت منها بالذي فضلا» فتغربت بها سنوات، أتبوا منها ظل الغمامة، وأعيا بالتحول عنها عي الحمامة، ولا أنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد. والأدب بها أقل من الوفاء، وحامله أضيع من قمر الشتاء، وقيمة كل أحد ما له، وأسوأ كل بلد جهاله. حسب المرء أن يسلم وفره وإن ثلم قدره، وأن تكثر فضته وذهبه وإن قل دينه وحسبه».
ويقول في سبب تأليفه هذا الكتاب: إنه رأى في الأندلس «قوما هم ما هم، طيب مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعب الدجى بجفون المؤرق ... نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاه حكمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى ولا نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما، وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب، أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة، مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه. وقديما ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله. وليت شعري: من قصر العلم على بعض الزمان، وخص أهل المشرق بالإحسان».
وهو يدل على شكواه من أهل الأندلس من أنهم ينظرون إلى النتاج المشرقي نظرة إعجاب ولو كان تافها، وإلى نتاج بلادهم نظرة احتقار ولو كان نابها. وهو يدل أيضا على أن أهل الأندلس كان عندهم مركب نقص أمام المشارقة، كالذي عند الشرق اليوم أمام الغرب. وقد حكى لنا هذا أيضا ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس، فشكا من أن كثيرا من علماء الأندلس وأدبائه، قلت قيمتهم في نظر الأندلسيين؛ لأنهم من وطنهم، ولو كانوا من المشرق، لأعلوا شأنهم وزيد في قدرهم. وقديما قالوا: «زامر الحي لا يطرب»، و«أزهد الناس في عالم أهله».
وكان قريع ابن بسام في بابه الفتح بن خاقان، ولد بقرية قريبة من غرناطة، وكان فقيرا وليس الفقر عيبا، ولكنه كان أيضا وضيعا، مدمنا للخمر، مسرفا في تعاطيها، يتردد في البلاد لينشد أمثاله من متعاطي الخمور، ويطلب الصلة، وأسوأ ما فيه أنه كان يمدح أو يذم، تبعا لهذا العطاء أو الضن، فمن أعطاه مدحه ومن حرمه قدحه، وأحيانا يمدح الشخص ويذمه، تبعا لصلته الشخصية.
فابن بسام في الذخيرة يفوقه بمراحل، من ناحية تحريه للتاريخ الصحيح، وبذله المدح والذم تبعا لصفات الممدوح أو المذموم لا لعلاقته الشخصية، ومن شر ما وقع فيه الفتح بن خاقان تصرفه مع ابن باجة، فقد مدحه مدحا صعد به السماء، ثم ذمه ذما نزل به إلى الحضيض لحسن العلاقة بينهما أولا وسوئها أخيرا، فإذا نظرنا إلى أسلوب الذخيرة وأسلوب الفتح، وجدنا أن أسلوب الذخيرة أقرب إلى نفوسنا، فهو لا يلتزم السجع كما يفعل الفتح بن خاقان، وأسلوب الفتح هذا أجوف، يلعب بالألفاظ والاستعارات لعب البهلوان.
وقد ألف الفتح كتابين مشهورين «مطمح النفس ومسرح التأنس»، والثاني: «قلائد العقيان ومحاسن الأعيان»، فأما المطمح فذكر أعيان الأندلس، ومن اشتهر بكرم والظرف. أما القلائد فقد تعرض لمحاسن الرؤساء وأبنائهم، مع ذكر نماذج من مستعذب أقوالهم، وفيه تراجم تشترك مع تراجم المطمح. ومن أمثلة كتابته قوله في ذم ابن باجة وقد ذكرناه عند الكلام عليه في الفلسفة، ونذكر هنا مدحه فيه، للدلالة على أسلوبه، وعلى أنه يبني تراجمه من مدح أو ذم على اعتبارات شخصية، من غير تحر لصدق، أو التزام لحق، كأنه يرى أن المسألة مسألة ألفاظ جوفاء، واستعارات خيالية، وتزويقات لفظية.