ونبغ قريبا من هذا العصر في التاريخ أيضا الحافظ الحميدي، وقد ولد أبوه بقرطبة، وولد هو بالجزيرة، وقرأ العلوم الدينية من فقه وحديث، وسمع من ابن عبد البر وابن حزم، ولازم هذا الأخير وقرأ عليه مصنفاته كلها، ورحل إلى مصر ودمشق، وروى عن الخطيب البغدادي، وذهب إلى واسط، ثم رجع إلى بغداد وصار يأخذ العلم والأدب عن أهلهما، وقال بعض من رآه: «لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي، في فضله ونبله، ونزاهة نفسه، وغزارة علمه، وحرصه على نشر العلم وبثه في أهله»، وقد وصل إلينا من تآليفه كتابه «جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس»،
2
لخص فيه كتاب المقتبس لابن حيان الذي ذكرناه من قبل. وكان مثال العالم الذي ينقطع عن العالم ليتفرغ للعلم، توفي في بغداد سنة 488ه.
ثم اشتهر من مؤرخي الأندلس ابن بشكوال، وكان أيضا من المحدثين والمؤرخين معا، ولد في قرطبة سنة 494ه، وقد اتسعت أولا معارفه بالحديث، ومن ثم اتسع علمه بتاريخ بلاده، وقد استفاد كثيرا من أساتذته العظام أمثال أبي بكر بن العربي. وقالوا: إنه كان آخر أقطاب المحدثين في الأندلس، وأنه ألف نحو خمسين مؤلفا. ولم يبق منه كتبه التاريخية إلا كتابه «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس»، وهو تتمة لكتاب ابن الفرضي السابق الذكر، وهو يدل دلالة واضحة على سعة اطلاعه ووفرة علمه.
فإذا تخطينا نحو بعض العصور عثرنا من المؤرخين على ابن الأبار، وهو أيضا محدث ومؤرخ، ولد في بلنسية سنة 595ه، وظل أكثر من عشرين عاما يتتلمذ لأبي الربيع بن سالم أعظم محدثي الأندلس في عصره. وقد ألف كتابا سماه «التكملة لكتاب الصلة»، فيكون لنا مجموعة متسلسلة في أخبار العلماء، كتاب ابن الفرضي والصلة لابن بشكوال، وتكملة الصلة لابن الأبار. ولما أحس باضطراب الأمر في بلنسية هاجر منها إلى تونس واشتغل بالتدريس بها، وقد استقبله أمير تونس استقبالا حسنا أول الأمر، ولكنه انقلب عليه أخيرا وصادر كتبه، فوجد فيها هجاء للسلطان أغضبه، حتى إنه لما مات في السجن أمر فأحرق رفاته. وقد بقي من مؤلفاته كتاب «تكملة الصلة، والحلة السيراء».
هناك مؤرخون عنوا بتراجم طائفة خاصة، فبعضهم كان يعنى بتراجم المحدثين كابن عبد البر الذي ألف كتاب «الاستيعاب»، وبعضهم عني بتراجم الأدباء، ومن أشهر هؤلاء ابن بسام الذي ألف كتابه العظيم «الذخيرة»،
3
وقد وضعه على نمط كتاب «اليتيمة» للثعالبي، وقلده في سجعه واستعارته ومجازاته وإن لم يلتزم السجع دائما. وقد قسم كتابه إلى أقسام أربعة كالثعالبي في اليتيمة، فقسم لقرطبة وما يحيط بها، وقسم لإشبيلية وما يحيط بها، وقسم لبلنسية وما يحيط بها، وقسم للملمين بالأندلس والطارئين عليها، وهو يعرض لتاريخ الملوك والوزراء والأمراء عرضا دقيقا، ويزن آثارهم وزنا صحيحا، وقد اعتمد في ناحيته التاريخية على ابن حيان إذ رأى أنه أعرف منه بالتاريخ، وأنه أصح منه نظرا، وبذلك نقل إلينا في كتابه «الذخيرة» جملة صالحة من أقوال ابن حيان المفقود أصلها.
وقد نشأ في بيت حسب ونسب في شنترين، ولكن من الأسف أن هذه البلدة وقعت في يد النصارى، واستولوا على كل أملاكه، فخرج منها صفر اليدين. وفي ذلك يقول: «وعلم الله أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامد الذكاء، بين جهر متلون تلون الحرباء، لانتباذي من شنترين، قاصية الغرب، مغلول الغرب، مروع السرب، بعد أن استنفد الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، بتواتر طوائف الروم علينا في عقر ذلك الإقليم، وقد كنا غنينا هنالك بكرم الانتساب عن سوء الاكتساب، واجتزأنا بمذخور العناد عن التقلب في البلاد، إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام، «ولو ترك القطا ليلا لنام»، وحين اشتد الهول هنالك، اقتحمت بمن معي المسالك، على مهامه تكذب فيها العين الأذن، وتستشعر المحن: