ومن المظالم أن ولي
ت على المظالم يا فزاره»
ويقول: «ومضى فلان فأدرج في جننه غير فقيد، لم تبك عليه غير نفسه، إذ لم يكن لغيره نصيب في خيره؛ لأنه كان جهم المحيا، باسر اللقاء، مشنأ إلى الورى، شكس الجبلة، كز الخلقة».
ويقول في ابن باشة: «كان هدام القصو، مبور المعمور، وكان من التبحبح في اللؤم والالتحاف للشؤم، مع دناءة الأصل والفزع وتنكب السداد، وتقبل الفاسد، على ثبج عظيم، بيده بادت قصور بني أمية الرفيعة، ودرست آثارهم البديعة، وحطت أعلامهم المنيعة، قدمه ابن السقاء مدبر قرطبة لجمع آلات ما هدم من القصور المعطلة، فاغتدى عليها أعظم آفة، يبيع أشياء جليلة القدر، رفيعة القيمة، في طريق الأمانة، ولم يك مأمونا على باقة بقل، فعاث فيها عياث النار في يبيس العرفج، وباع آلاتها من رفيع المرمر، ومثمن العم ونضار الخشب، وخالص النحاس، وصافي الحديد والرصاص، بيع الإدبار. ولم يزل ينفق ما غل بمرأى ومسمع في أبواب الباطل، حملت عنه في التبذير نوادر، تشهد بأن الدار ليست بدار مثوبة ولا جزاء. وكانت رسل الأملاك تأتيه لشراء تلك الآلات بأغلى الأثمان، فيبذلها هو في أنواع الضلالات ... إلخ».
وقد قال عن نفسه: إنه أولع بالتاريخ من صغره وشغف به حبا، وأعد لهذا الأمر عدته. وربما مكن له من الصراحة أنه كما قال كان يؤلف هذا الكتاب لنفسه ويخبئه لابنه، ثم غير رأيه فنشره في الناس. ويقول ابن بسام: «إنه مرى سحابه فصاب، وأخطأ التوفيق وما أصاب، إذ جاء أكثر كلامه كما قال ابن الرومي:
مهما تقل فسهام منك مرسلة
وفوك قوسك والأعراض أغراض
وما تكلمت إلا قلت فاحشة
كأن فكيك للأعراض مقراض
ومن علم أن كلامه من عمله، أقل إلا فيما ينفعه، ومن اعتقد أنه مسئول عما يقول، وكتب عليه ما يكتب، لم يستفرغ المجهود في القول، فضلا عن أن يثلب:
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه
مع ذلك فقد كان سهما لا ينمى رميه، وبحرا لا ينكش آذيه، لو قلب الماء لما نقع، أو تعرض لابن ذكاء ما سطع، يتناول الأحساب قد رسخت في التخوم، وأنافت على النجوم، فيضع منارها، ويطمس أنوارها، بلفظ أحسن من لقاء الحبيب عند العود. فرب شامخ بأنفه، ثان من عطفه، قد مر في كتابه ينصل جرده لوضع حسبه، وخلده أحدوثة باقية في عقبه فيرده ورود الظمآن الرنق، ويلبسه لبس العريان الخلق».
ونحن إلى مذهب ابن حيان أميل. فالمؤرخ عليه أن يتحرى الصق في المدح والذم، والنافع والضار، أما اقتصاره على المدح دون الذم، فتقصير في رواية الحقيقة، وقوله لنصف الحق، وليس الرجل المشهور في التاريخ ملكا لنفسه، بل أصبح ملكا لشعبه، يشرح المؤرخ الحصيف كما يشرح الطبيب المريض، فنحن مع ابن حيان لا ابن بسام. وكثيرا ما ضقت ذرعا بالمؤرخين لا يذكرون إلا المحامد، ويغضون الطرف عن المفاسد، بل قد يخلقون المدائح خلقا وإن لم يصح نسبتها إليهم حقا. وهذا إن جاز للشاعر المستجدي، فلا يجوز للمؤرخ الثبت المتحري للصواب. غاية الأمر أننا نخالف ابن حيان في أنه يعبر عن مذام الشخص تعبيرا صارخا ليس فيه رقة ولا ذوق ولا إيماء، والحق إن عري من ثيابه تعرى من جماله.
ولئن تفوق ابن حيان بتاريخه الشامل للسياسة، والأحداث الاجتماعية، وتراجم بعض الأفراد، فقد تخصص مؤرخ آخر لتراجم علماء الأندلس، وهو «ابن الفرضي »، وهو أبو الوليد عبد الله محمد المعروف بابن الفرضي، من مشاهير المحدثين والمؤرخين، ولد في قرطبة سنة 351ه، ودرس الفقه والحديث والأدب والتاريخ في قرطبة، وحج وانتهز فرصة الحج، ورحل إلى بلاد كثيرة: القيروان والقاهرة ومكة والمدينة، ولما عاد إلى الأندلس درس بها مدة طويلة، وولي القضاء في بلنسية، وقتل بداره سنة 402ه أيام ثورة البربر، واشتهر بعلمه في فن الحديث، وعلم الرجال والأدب، واطلع على كتب كثيرة في رحلاته، ومن مؤلفاته كتاب نشر ضمن سلسلة المكتبة الأندلسية، وهو الكتاب الذي كمله ابن بشكوال وهو المسمى «تاريخ علماء الأندلس».