تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

والصحابة، فأسلم ذلك أولا إلى جمع سيرة النبي، ثم أسلمهم شيئا فشيئا إلى كتابة التاريخ.

ويظهر أن من أوائل مؤرخي الأندلس ابن حبيب الذي ذكرنا خبره في الحركة الدينية، وربما عد أقدم مؤرخي الأندلس، وقد عاش في إلبيرة وقرطبة أول أمره، ثم رحل إلى المشرق ودرس على شيوخه الحديث وما إليه والفقه المالكي، فأكسبته هذه الدراسة توسعا في فهم التاريخ، فألف في كل فروع العلوم ومنها التاريخ العام، وسمى كتابه «التاريخ» وهو أشبه ما يكون بتاريخ الطبري، فيتكلم في ابتداء خلق الدنيا والسموات والبحار والجبال والجنة والنار وآدم وحواء، وما كان من أمرهما مع إبليس، ثم ذكر الأنبياء نبيا نبيا؛ لأن ذلك يعد تفسيرا لآيات الأنبياء في القرآن. وهذا القسم من تاريخ ابن حبيب مملوء بالأساطير والإسرائيليات التي تروي عن مثل وهب بن منبه وكعب الأحبار. فلما وصل في التاريخ إلى الأندلس وذكر فتحها كان كذلك مملوءا بالأساطير كرؤيا طارق بن زياد، وطلسم لذريق، وخبر المائدة، والكنوز التي عثروا عليها من ذهب وفضة وياقوت وزمرد ... إلخ.

1

ونجد بعد ذلك تاريخ ابن القوطية الذي ذكره في الحركة النحوية واللغوية؛ ولهذا الكتاب قيمة من ناحية خاصة، وهي تفسيره لحوادث إسبانية لم يكن يعرفها العرب، واسم كتابه «تاريخ افتتاح الأندلس»، وقد قالوا: إنه كان رجلا متدينا جميلا وطال عمره ونفع الله به الناس، وقد عثر على هذا الكتاب ونشر، وفيه صبغة فقهية مالكية، وميل إلى أصوله من القوط مما يخالف فيه المؤرخين الآخرين.

ثم نجد بعده عريب بن سعد المتوفى سنة 369ه، وكان من أصل قرطبي نصراني أسلم آباؤه، وكان سعد هذا كاتبا عند الحكم المستنصر، وقد اختصر تاريخ الطبري وزاد عليه أخبار المغرب والأندلس، وله ذيل مطبوع لتاريخ الطبري، وجاء بعده سيد مؤرخي الأندلس ابن حيان.

وكان ابن حيان هذا من كتاب المنصور بن أبي عامر، وكان أديبا ماهرا، إلى جانب أنه مؤرخ كبير، وقد ضاعت أكثر كتبه، ولم يبق منها إلا بقايا من كتابيه «المقتبس» و«المتين»؛ فأما «المقتبس» فيقع في عشرة أجزاء، لم يبق منها إلا ثلاثة، وكلها في تاريخ الأندلس من أول فتحها على يد طارق إلى زمن المؤلف. وأما «المتين» فقالوا: إنه يقع في 60 جزءا، لم يبق منه إلا فقر في بعض الكتب كالذخيرة لابن بسام. وقد وصفه المؤرخون والمترجمون له بأنه كان صادق الرواية، جميل الأسلوب، جزل التعبير، ولو بقيت كتبه لكشفت نواحي كثيرة من النواحي الغامضة في تاريخ الأندلس.

ولئن كان كثيرون من مؤرخي المسلمين يتحرجون من ذكر معايب الشخص، ويكتفون بمدائحه ويجرون حسب الحديث المشهور: «اذكروا محاسن موتاكم»، فكان ابن حيان في منتهى الصراحة، يذكر المحاسن ولا يتعفف عن ذكر المساوئ، ولا يومئ إليها إيماء، بل يقولها في جرأة وشدة حتى إن بعض المؤرخين تبرأ إلى الله من قوله. وكان إذا أراد أن يقتبس شيئا من ذلك حذف اسم المؤرخ له واكتفى بالتكنية عنه بفلان، ولم يسلم من لسانه حتى العظماء، فيذكر مثلا عن الأمير المنذر فضائله ثم يعقب ذلك بنقائصه، فيقول: إنه كان شديد البخل، ويأخذ عليه الاستهانة بدماء الناس والإسراع إلى سفكها، حتى ولديه وإخوته وصحابته ورعيته وأخذه في ذلك بالظنة، ومع أنه - كما قلنا - من كتاب المنصور بن أبي عامر، لم يتحرج من أن يتناول بالهجاء ولو من بعيد هذه الأسرة، وأن يأسف على زوال الدولة الأموية في الأندلس، ويبكي على ما كان للدولة الأموية من البهجة، وما حل محلها من دولة بربرية ليس لها ما للأموية من جلال وقدم.

ولنسق بعض الأمثلة للدلالة على صراحته وشدة نقده: «فلان معدن من معادن الجهل والأفن والغباوة، وحجة الله في الرزق، واستظهر - لما رأى الناس فيه من شدة وطأة المجاعة - بما شاء من ادخار القوت والطعام ... وولي المظالم صدر اكتهاله:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣١٨