تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول ابن أبي أصيبعة: «وأول اجتماعي به كان بدمشق في سنة 633ه، ورأيت من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه، وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب منه، ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه أيضا تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئا كثيرا جدا، وكنت أحضر عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة، مثل: كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي ... فكان يذكر أولا ما قاله ديسقوريدس في كتابه باللفظ اليوناني على ما قد صححه في بلاد الروم، ثم يذكر جملة ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضا جملا من أقوال المتأخرين وما اختلفوا فيه، ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا أجده يغادر شيئا مما فيها».

ونوع آخر يمثله أمية بن أبي الصلت، وقد كان مجيدا من نواح متعددة فهو من ناحية يجيد الميكانيكا، يدل على ذلك ما حكى ابن أبي أصيبعة من أن مركبا محملة بالنحاس غرقت في ميناء الإسكندرية، فعمل أمية تصميما أن يخرج المركب محمله بنحاسها من قاع البحر، وكان تصميمه ناجحا لم يخطئ فيه. وصرف الملك الأفضل ابن أمير الجيوش مبالغ طائلة في صنع الآلات التي رسمها، ولكن خان أمية التوفيق إذ قطعت حبال الإبريسم التي تشد المركب الغاطسة المحملة بالنحاس، فعادت إلى قاع البحر ثانية، وغضب الملك واعتقله حتى تشفع فيه بعض الأعيان. وكان إلى جانب ذلك أوحد أهل زمنه في العلوم الرياضية وفي علم الموسيقى واللعب على العود، وأصله من بلد اسمها «دانية» شرقي الأندلس. ومع تفوقه في العلوم المختلفة كان أديبا شاعرا، يقول الشعر الرقيق المملغم بعلمه، كقوله في وصف الأسطرلاب، وهو آلة الرصد المعروفة:

أفضل ما استصحب النبيل فلا

تعدل به في المقام والسفر

جرم إذا ما التمست قيمته

جل على التبر وهو من صفر

مختصر وهو إذ تفتشه

عن ملح العلم غير مختصر

ذو مقلة يستبين ما رمقت

عن صائب اللحظ صادق النظر

تحمله وهو حامل فلكا

لو لم يدر بالبنان لم يدر

مسكنه الأرض وهو ينبئنا

على جل ما في السماء من خبر

أبدعه رب فكرة بعدت

في اللطف عن أن تقاس بالفكر

فاستوجب الشكر والثناء له

من كل ذي فطنة من البشر

فهو لذي اللهب شاهد عجب

على اختلاف العقول والفطر

وأن هذي الجسوم بائنة

بقدر ما أعطيت من الصور

ونوع آخر من الاشتغال بالعلم يمثله العباس بن فرناس، وذلك أنه خطرت له فكرة أن يطير كما يطير الطير، يصنع جناحين يطير بهما، وهي فكرة سابقة لزمانها؛ لأن الطيران إنما نجح بعد التقدم في صنع الآلات، واكتشاف البنزين، وما هو أخف من البنزين، أما الاعتماد على الأجنحة فقط فمصيره الفشل لا محالة. قال فيه صاحب نفح الطيب: «إن أبا القاسم عباس بن فرناس أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال؛ ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال في تطيير جثمانه، وكسا نفسه بالريش، ومد له جناحين، وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه، ولم يعمل له ذنبا ... وصنع في بيته هيئة السماء، وجعل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود». فهذا كله إن صدق دل على شخص غريب حقا، نابغة حقا. والله أعلم.

| هوامش

الفصل السادس

| التاريخ والجغرافيا

التاريخ

أولع الأندلسيون كما أولع المشرقيون بتاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين عليها. ويظهر أن الاشتغال بالحديث كان هو الذي أسلم إلى الاشتغال بالتاريخ، فكان المحدثون يجمعون أحاديث من كل نوع، بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسير النبي

ظهر الإسلام · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣١٧