إنني لما نظرت في سير الأمم الماضية، والملوك الخالية، وما وضعوه من السياسات في تدير الدول، والتزموه من القوانين في حفظ النحل، وجدت ذلك نوعين: أحكاما وسياسات»، وقد ذكر أيضا أنه ألف هذا الكتاب للمأمون البطائحي الوزير الفاطمي وأهداه إليه. وفيه أشياء كثيرة تأثر فيها من وجوده بالأندلس، فعند كلامه مثلا على الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها ذكر خبر وقعة وادي لكة التي قلت فيها لذريق واحتز رأسه، وفيه حكاية عن نظام جيش المنصور وقيادته والقضاء في أيامه، وفيه أخبار عن وقوف الفقهاء في وجه السلطان وحدهم من سلطانه. ويستفاد من مجمع ما ذكره عن الحرب، كيف كانت ترتب الجيوش في الأندلس.
ويظهر لي أنه كان مصدرا من مصادر ابن خلدون في مقدمته، وأن ابن خلدون فلسف أقواله، وأخضعها للعقل. وقد مات الطرطوشي سنة 520ه، ويظهر أنه كان متزمتا، فهو ينظر إلى اليهود والنصارى نظرة متعصبة، حتى ليحرم على نفسه أكل الجبن الرومي؛ لأنها صنعت في بلادهم.
وأما الحركة العلمية فنعني بها ما يقابل الحركة الأدبية أي:
scientific mouvement
من رياضة وطبيعة وكيمياء ونبات وحيوان وفلك، وعلى الجملة فكل ما تبحث فيه «كليات » العلوم اليوم. وقد كانت هذه العلوم داخلة في الفلسفة، ثم انفصلت عنها في العصر الحديث كما انفصل مثلا علم النفس، وكما انفصل حديثا علم الاجتماع، وأصبحت الفلسفة قاصرة على جذور الشجرة بعد أن انفصل عنها فروعها. وقد رأينا في الشرق أن الحركات المختلفة ظهرت على الترتيب الآتي: الحركة الأدبية، وبدأت في العصر الجاهلي واستمرت على الزمن، ثم الحركة الدينية، وقد ظهرت بظهور الإسلام، ثم الحركة الكلامية، وقد ظهرت في آخر العصر الأموي وأول العباسي، ثم الحركة الفلسفية والحركة العلمية، وهذا ما حدث في الأندلس بالضبط. فتاريخ الحركة الأدبية يعاصر الفتح العربي، ثم الحركة الدينية بعد ذلك بقليل، ثم الحركة الفلسفية نشأت نشوءا خافتا في أيام الحكم، ومنها الحركة العلمية.
ويظهر أن من أول من لفت النظر إلى الحركة العلمية مسلمة المجريطي من أهل قرطبة، قال صاعد في كتاب تعريف طبقات الأمم: «إن مسلمة كان إمام الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم من كان قبله بعلم الأفلاك، وحركات النجوم، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف بتفهم كتاب بطليموس المعروف بالمجسطي، وله كتاب حسن في تمام علم العدد المعروف عندنا بالمعادلات، وكتاب اختصر فيه تعديل الكوكب من زيج البتاني، وغني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي»، وقد توفي مسلمة سنة 398ه، والشيء المهم أيضا أنه ربى تلاميذ كثيرين كانوا نواة صالحة في هذه العلوم، مثل: ابن السمح وابن الصفار، والزهراوي والكرماني وابن خلدون.
11
فهؤلاء كلهم اشتغلوا في العلوم، فابن السمح مثلا اشتهر بعلم الحساب والهندسة والهيئة، وشرح كتاب أقليدس في الهندسة، وله كتابان في الأسطرلاب، ومات سنة 426ه. وابن الصفار كذلك كان ماهرا في علم الحساب والهندسة والعلوم، وله زيج مختصر على مذهب السندهند. والكرماني كان ماهرا في الهندسة، ورحل إلى الشرق في طلبها، ثم عاد إلى الأندلس، وصار لا يشق غباره في فك غامضها، وتبين مشكلها، ومن ناحية أخرى اشتهر الغافقي وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بعلم الأدوية المفردة، والنباتات ومنافعها وخواصها وأعيانها ومعرفة أسمائها. قال ابن أصيبعة: «إن كتابه في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة، ولا شبيه له في معناه، قد استقصى فيه ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس، ثم ذكر بعد قوليهما ما تجدد للمتأخرين من الكلام في الأدوية المفردة، فجاء كتابه جامعا لما قاله الأفاضل في الأدوية المفردة، ودستورا يرجع إليه فيما يحتاج إلى تصحيحه منها.
ويظهر أن كتابه هذا كان عمادا لما ألفه ابن البيطار في كتابه «المفردات». فقد أصلح في كتاب الغافقي وزاد عليه ما اكتشف بعده، وكلاهما كان معتمدا على كتاب ديسقوريدس، ومصححا له وزائدا فيه. وابن البيطار هذا من أشهر علماء النبات والأعشاب، وأصله من مالقة، ولد في الربع الأخير من القرن السادس الهجري، وقد كان محبا للعلم، فكان يجوب البلاد يمتحن الأعشاب ويصفها ويذكر فوائدها، وألف كتابين أحدهما يعتمد على ما ذكره ديسقوريدس وزاد عليه وهو المشهور بمفردات ابن البيطار، وكتاب آخر مبني على تجاربه الخاصة، وهو يشتمل على علاجات بسيطة مستمدة من المعدن والنبات والحيوان، وقد رحل إلى مصر في دراسة الأعشاب، في عهد الملك الكامل الأيوبي، وعينه رئيسا للعشابين، وكان ابن أبي أصيبعة تلميذا لابن البيطار، وصحبه في الكشف عن النباتات في منطقة دمشق، وقد توفي ابن البيطار في دمشق سنة 646ه. ويظهر من تاريخه أنه كان محبا لموضوعه متفانيا فيه.