كذلك من لطائفه بحثه في الحب وأنواعه، فعنده أن الحب جنس واحد مختلف الأنواع، وإنما اختلف الحب باختلاف الأغراض، وقد تنوع الحب من حب للأب، وحب للابن والقرابة والصديق، وحب للسلطان وللحسن، وللمأمول وللمعشوق، فهذه كلها جنس واحد تنوعت على اختلاف الطمع فيما ينال من المحبوب. وقد رأينا من مات أسفا على ولده، كما يموت العاشق أسفا على معشوقه، وبلغنا من شهق من خوف الله ومحبته فمات، ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه، كما يغار على زوجته، وكما يغار العاشق على معشوقه، فكل أنواع الحب من واد واحد، وتسير سيرا متشابها، ويزيد الحب بالمجالسة، والمحادثة والمزاورة، واستمر في ذلك حتى حلل الحب تحليلا دقيقا، وكثيرا ما تقتبس فقرة أو فقرات من هذا الكتاب تتخذ مبدأ مثل ما فعلت «الجريدة» من اقتباسها في أول كل عدد من أعدادها قول ابن حزم: «من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق، وإن آلمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه، أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه»؛ «لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له، أثر ذلك فيه العجب، فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه فسره، فقد صار سرورا بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سببا في تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا كل ناقص وإن كان بباطل وبلغه قصير، اكتسب فضلا زائدا بالحلم والصبر».
ويقول: «الناس فيما يعانون كالماشي في الفلاة، كلما قطع أرضا بدت له أرضون، وكلما قضى المرء سببا، جدت له أسباب»، «صدق من قال: إن العاقل معذب في الدنيا، وصدق من قال: إن العاقل فيها مستريح، فأما تعذبه فيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته، وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق، وأما راحته فترفعه عن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا»، وكان يقول: «فرض على الناس تعلم الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معا، ومن علمه ولم يعمل به فقد أحسن في التعليم وأساء في ترك العمل. قال ابن حزم: فاعترض علي إنسان سمع مني ذلك، وقال: كان الحسن - يريد الحسن البصري - إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلا، وإذا أمر بشيء كان شديد الأخذ به، وقال آخر: إن أبا الأسود الدؤلي قال:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
فقلت: أن أبا الأسود إنما قصد بالإنكار المجيء بما نهى عنه المرء، وأنه يتضاعف قبحه منه بنهيه عنه، لا أن من كان يعمل شيئا قبيحا لا يصح له أن ينهى عنه، فهذا شيء وهذا شيء، وأما حكاية الحسن فقد صح عنه أنه سمع إنسانا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا لمن لا يفعله، قال الحسن: ود إبليس لو ظفر منا بهذه حتى لا ينهى أحد عن منكر، ولا يأمر بمعروف، قال ابن حزم: وهذا قولنا آنفا، وقد صدق الحسن».
وفي الكتاب كثير من النظرات الصائبة والحكمة البالغة، نتيجة لتجاربه الخاصة. نعم، إنه لا بد أن يكون قد نظر إلى ابن المقفع في الدرة اليتيمة والأدب الكبير والأدب الصغير، ولكن ابن المقفع في كتبه كان نتيجة تجارب الفرس التي اطلع عليها، وكان ابن حزم ينقل نتيجة تجاربه الشخصية.
ومن الفلسفة العلمية التأليف في السياسة الاجتماعية، كما فعل الطرطوشي مثلا في كتابه «سراج الملوك»، والطرطوشي نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس، وقد تتلمذ لابن حزم والباجي، ويحكمون عنه أنه كان عالما عاملا، زاهدا ورعا، دينا متقشفا، متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير.
ويهمنا منه هنا أنه ألف كتابا اسمه «سراج الملوك» وهو سياسة وعظية، أكثر منه دراسة نظرية، فلم تكن السياسة في زمنه قد أصبحت علما له قواعد ونظريات، وإذ لم يكن الطرطوشي قد تقلد مناصب حكومية كالوزارة ونحوها، كانت تجاربه في هذا الباب قليلة، وهي إلى المواعظ أقرب منه إلى تقعيد القواعد، وقد استفاد من اطلاعه الواسع على كتب التاريخ وكتب الحديث؛ ولذلك يضمن كتابه كثيرا من الأحداث التي قرأها، والحكم التي رواها، وأحيانا يتأثر بمثل كتب الأحكام السلطانية، ككتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، فيسير سيره، كما أنه أحيانا يروي ما حكي له عن ملوك الأندلس وأمرائها وأخبارهم، وقد رتبه ترتيبا دقيقا: الباب الأول في مواعظ الملوك ... والثامن في منافع السلطان ومضاره، والتاسع في منزلة السلطان من رعيته، والحادي عشر في الخصال التي هي قواعد السلطان، ثم باب فيما يهدم الدولة، وفي حاجة السلطان إلى العلم، وفي الوزراء وصفاتهم، وفي خصال الأمير والمأمور، وما تكره الرعية من السلطان ومعنى «كما تكونوا يولى عليكم»، وعلاقة السلطان بالجند، وجبايته للخراج، وعلاقته ببيت المال، وتدوين الدواوين، وأحكام أهل الذمة، والحروب وغير ذلك، فقد تعرض لموضوعات غاية في الأهمية، إن كان عالجها كما قلنا بالآثار لا بالرأي، والكتاب من غير شك يدل على سعة اطلاع ولطف نظر، قال في مقدمته: