وعلى الجملة، كان اشتغال العرب بالفلسفة في بغداد وما حولها سببا في اشتغال الأندلسيين بها، كابن رشد وابن طفيل ... ثم كانت الخطوة الثانية وهي انتقال الفلسفة اليونانية من الأندلس إلى أوربا قبل أن ينهض الأوربيون ويأخذوا الفلسفة اليونانية من أصولها.
ولذلك نلاحظ هذا الترتيب الزمني، فأول ما اشتغل العرب بالفلسفة اليونانية وظهر فيهم الكندي وأمثاله، كان بعد نحو قرنين اثنين من ظهور الإسلام، إذ كان العراق مقرا للفلاسفة من قديم، ومقرا لترجمة الفلسفة اليونانية عن طريق السريان، ثم من السريان إلى العرب. ولكن لم تظهر الفلسفة في الأندلس إلا في النصف الأخير من القرن الرابع، حتى انتقلت الفلسفة من العراق إلى الأندلس، ولكن في نظير ذلك تأخرت حياة الفلسفة في الأندلس بعدما ماتت في المشرق؛ لأن الغزالي وأمثاله في المشرق استطاعوا أن يخمدوا صوت الفلسفة فيه، ولكن استطاع فلاسفة الأندلس أن يستمروا في إحياء الفلسفة، ويردوا على الغزالي وأمثاله؛ ولذلك بقيت الفلسفة في الأندلس بعد موتها تقريبا في المشرق.
وإذا نحن تصورنا الحياة الفلسفية العربية مصباحا، فأول ما أضاء في المشرق، ثم أخذ منه قبس فأشعل مصباحا آخر في الأندلس، ثم أخذ من هذا الأخير قبس فأشعل مصباح الفلسفة في أوربا. ويظهر أن شهرة ابن رشد الكبيرة التي غطت على شهرة ابن سينا والفارابي في أوربا ترجع إلى أمور: (1)
قوة شخصية ابن رشد. (2)
تلمذة اليهود له، ونشاطهم في نشر مذهبه. (3)
استعداد الوسط النصراني واليهودي إذ ذاك للتفلسف، وحاجتهم إليه بعد أن بالغ رجال الدين في الحجر على حرية الفقه، فكانت حركة ابن رشد رد فعل قوية.
ومنذ سنين؛ أي: حوالي سنة 1902م وجدت حركة في مصر كان زعيماها الأستاذ فرح أنطون والأستاذ الشيخ محمد عبده، إذ كان الأول قد نشر في مجلته «الجامعة» خلاصة فلسفة ابن رشد كما عرضها الأستاذ رينان، وروى اضطهاد المسلمين له في الأندلس ونحو ذلك، فانبرى له الأستاذ الشيخ محمد عبده يبين أن الإسلام ينادي بالحرية الفكرية إلى آخر حد، ولا يضطهد الفلسفة، وأنه صدر من المسيحيين اضطهاد للفلسفة والفلاسفة أكثر مما صدر من المسلمين، ولم يكن هناك داع لذلك كله، فعامة المسلمين اضطهدوا الفلاسفة، وكرهوا الفلسفة، وكذلك عامة النصارى، وليس يهم أيهما كان أكثر اضطهادا. والحق أن الإسلام والنصرانية بريئان من تحمل هذه المسئولية، وإنما يحملها المسلمون لا الإسلام، والنصارى لا النصرانية، ونبش التاريخ لا يفيد كثيرا، إنما الذي يفيد حمل الناس على التسامح، حتى يسير البحث عن الحقيقة في مجرى صاف هادئ لا اضطهاد فيه ولا كبت.
وهناك نوع من الفلسفة لا يتبع فلسفة اليونان، وهو الفلسفة الخلقية التي أتى بها ابن حزم، فلم يسلك سبيل ابن رشد في حكايته لفلسفة أرسطو الأخلاقية في كتابه المسمى «نيقوماخوس»، وإنما هي فلسفة أخلاقية مستمدة من تجاربه الخاصة. فقد كان وزيرا وابن وزير، تسرح في قصوره الجواري الحسان، ويحب ويكره، ويوالي ويعادي، ويتصل بالخلفاء والأمراء اتصال محاسنة أحيانا، واضطهاد أحيانا أخرى، ويرتفع إلى السماء حينا، وينخفض إلى الحضيض حينا، ويلاقي العلماء والجهال والأمراء العادلين والظالمين، ويكتوي بالحب أحيانا، ويذوق لذة الوصال وألم الهجران، ويهجو العلماء ويهجونه، ويدعو إلى مذهب الظاهرية، فيناهضه رجال المالكية بقوة ... كل هذا أكسبه تجارب كثيرة، وكان حاد الذهن مرهف الحس، كثير الاطلاع، فاستفاد من كل ذلك تجارب ركزها في حكم، وألف فيها كتاب الأخلاق والسير.
نعم، إنه تأثر بالفلسفة اليونانية في الأخلاق، كما يدل عليه كتابه مثل اعتناقه نظرية الأوساط لأرسطو، أي: أن كل فضيلة وسط بين رذيلتين: الإفراط والتفريط، ولكن هذا لا يذكر بجانب تفكيره الشخصي، وتجاربه الشخصية، ونحن نسوق أمثلة على هذا، فمثلا حاول أن يجعل للأخلاق كلها من فضائل ورذائل أساسا، وبعد طول تفكير استطاع أن يجد هذا الأساس وهو «طرد الهم»، وأن الناس كلهم استووا في استحسانه واتخاذه باعثا على كل الأعمال، وإليه يعود كل غرض غيره، سواء في ذلك المتدين وغير المتدين، ومن يريد الخير ومن لا يريده، ومن يؤثر الخمول ومن يريد بعد الصيت، وعد ذلك اكتشافا عظيما. وكل الناس إنما تطلب بأعمالها طرد الهم، فالذين يطلبون المال، يطلبونه لطرد الهم، وكذلك الذين يطلبون الصيت، ومن يطلب العلم، إنما يطلبه لطرد هم الجهل، ومن أكل ومن شرب ومن لبس، إنما يفعل ذلك لطرد هم الجوع والعطش والعري، وهكذا أرجع كل الأعمال الإنسانية إلى طرد الهم في أشكاله المختلفة. وهذا يذكرنا بما تفعله بنتام وجون استوارت مل في جعلهما كل البواعث على العمل طلب اللذة ودفع الألم.