وبعد: فهل كان ابن رشد مؤمنا؟ يشك بعض المستشرقين في إيمانه، ونحن نرى أنه كان مؤمنا إيمان الفلاسفة، فللمحدثين إيمان، وللمتكلمين إيمان، وللفلاسفة إيمان، إيمان المحدثين إيمان بكل ما ورد في الآثار من غير شك، ولا نقد عقلي، وإيمان المتكلمين وخاصة المعتزلة إيمان بتأويل الآثار إلى ما ينطبق مع العقل، وقد قرأت بالأمس حكاية لطيفة في كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي خلاصتها أن موسى - عليه السلام - كان يعتب على آدم في أنه أتى بخطيئة، فأخرج نفسه وذريته من الجنة، فقال له آدم: ألم تعلم أن إتياني بالمعصية وخروجي من الجنة كان بقضاء الله وقدره، فكيف تعتب علي؟ وعلق أبو حيان بأن المتكلمين إذا قرءوا مثل هذه الآثار، حصلت لهم قشعريرة، وسببها أنهم كانوا يقولون بقدرة الإنسان على أعمال نفسه؛ ولذلك يكون مسئولا عنها. وفي هذا الحديث ما يشعر بأنه مضطر، ولا يمكن مع هذا تفسير المسئولية، ثم قال: إن ثلثي أعمال الدين يقبل فيها ما ورد من الآثار من غير حاجة إلى إعمال العقل، وهذا هو إيمان المحدثين.
أما الفلاسفة فإيمانهم من جنس آخر، وأعتقد أن ابن رشد وأمثاله من الفارابي وابن سينا وابن طفيل، كانوا يؤمنون بالله، كإيمان أستاذهم أرسطو بالله، وكانوا يؤمنون بالنبوة بمعنى غير ما يؤمن به العامة، ويرون أن الدين أتى لجمهور الناس، أما الخاصة من الفلاسفة فإنهم يضبطهم عقلهم أكثر ما يضبطهم الدين. وقد عبر عن ذلك ابن طفيل في كتابه حي بن يقظان تعبيرا واضحا دقيقا، فإن حيا لما قابل أبسال، وكان أبسال متعلما تعاليم نبي، وملتزما شرائعه، تعجب من بعض ما عرض عليه أبسال من التعاليم التي جاءت على لسان النبي، تعجب مثلا من أمر الدين بشعائر معينة، كصلاة في الصبح وصلاة في الظهر، وزكاة للأموال مما يقتضي جواز ادخار الأموال، ونحو ذلك من شعائر، وكان حي قد أداه عقله إلى عدم التزام الشعائر في أوقاتها، ولجوئه إلى الله كلما دعته إلى ذلك نفسه، كما أداه عقله إلى الزهد في الدنيا والتقلل من المال وعدم الاقتناء، واقتصاره على ما يسد حاجته الضرورية، وأراد أن يذهب إلى جزيرة الناس ويعظهم بأفكاره هو تكملة لأفكار النبي، فغضب عليه الناس وتبين أن الأنبياء بتعاليمهم كانوا أعرف بطبائع البشر، وأن الدين لم يأت للصفوة فقط.
فهذا يدل على أن الفلاسفة يعطون لعقلوهم حرية التفكير، وعرض أوامر الدين على العقل وتحكيم العقل فيه، واستخدام التأويل ما سمح لهم التأويل. وقد ينظرون إلى النبوة على أنها أمر يمكنهم الوصول إليه، أو إلى قريب منه بعقولهم واجتهادهم؛ ولذلك لم يقدسوا أوامرهم تقديسا كبيرا كما يقدسه الجمهور، بل صرح بعضهم بأنهم غير ملزمين بالأوامر الدينية كما يلزم الجمهور. وفي أقوال ابن رشد وابن سينا ما يشير إلى ذلك، وإن كانوا يستعملون التقية خوفا من إيذاء الجمهور لهم.
لقد روي عن ابن رشد أشياء يأباها جمهور الناس، كالذي روي عنه في أن عادا لم يثبت وجودها مع نص القرآن عليها. ولعله يذهب في ذلك إلى أن قصد القرآن العظة، وقد روي في القرآن أن عادا أهلكوا بريح صرصر عاتية، فموضع العظة أن قصة عاد الذين يتناقل الناس أخبارهم، يتناقلون هلاكهم بالريح، تكفي لتكون موعظة للناس، سواء ثبت وجودهم حقيقة أو لا. وهذا مذهب قوم من المتطرفين يرون أن القصد أولا وآخرا هو الموعظة، ولو كانت الموعظة مبنية على إشاعة، وهو ما يرضى عنه جمهور المؤمنين. وروي عنه أيضا أنه حكى أن الزهرة إله، وهذا سهل التأويل؛ لأنه كان يحكي آراء اليونان في ذلك، وبعيد أن يكون هذا مذهب ابن رشد.
على كل حال نعتقد أن ابن رشد يؤمن بالله ورسوله إيمانا خاضعا لسلطان العقل، وليس يؤمن بالأثر على إطلاقه، ودعوى بعض المستشرقين بعدم إيمانه لم يقم عليها دليل مقنع، والله أعلم.